35.7
بعد أن ذكر الحق سبحانه حزب الشيطان يذكر الحكم عليه ﴿ الذين كفروا لهم عذاب شديد ﴾ [فاطر: 7] وفي المقابل ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ [فاطر: 7]: ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا... ﴾.
35.8
الأسلوب في ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ [فاطر: 8] أسلوب استفهام، لكن لم يذكر المقابل له، وتقديره هل يستوي، ومن لم يزين له سوء عمله؟ والحق سبحانه لم يذكر جوابا لأنه معلوم، ولا يملك أحد إلا أن يقول لا يستويان، لأن الناس منهم من يعمل السيئة، ويعلم أنها سيئة، ويكتفي بها لا يتعداها، ومنهم من يتعدى فيفعل السيئة ويدعي أنها حسنة، وهذا مصيبته أعظم لأنه ارتكب جريمة حين فعل السيئة، وارتكب جريمة أخرى حين ادعى أنها حسنة، هذا معنى: ﴿ فرآه حسنا ﴾ [فاطر: 8]، وهذا اختلال في الرؤية وضلال. لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء ﴾ [فاطر: 8] وهذه الآية وقف عندها كثيرون، يقولون: إن كان الله هو الذي يهدي، وهو الذي يضل. فلماذا يحاسب الإنسان؟ ولا بد لتوضيح هذه المسألة أن نبين معنى يهدي ويضل. يهدي يعنى: يدله على طريق الخير ويرشده إليه، وهذا الإرشاد من الله لكل الناس، فمن سمع هذا الإرشاد وسار على هداه وصل إلى طريق الخير، فكان له من الله العون وزيادة الهدى، كما قال سبحانه:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. أما الذي أغلق سمعه فلم يسمع ولم يهتد فضل الطريق وانحرف عن الجادة، فأعانه الله أيضا على غايته، وزاده ضلالا، وختم على قلبه ليكون له ما يريد، فلا يدخل قلبه إيمان، ولا يخرج منه كفر، وهؤلاء قال الله فيهم:
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
[البقرة: 10]. لذلك يقول تعالى عن قوم ثمود:
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17]. فمعنى ﴿ هديناهم ﴾ يعني: دللناهم وأرشدناهم لطريق الخير، ولكنهم رفضوا هذه الدلالة وعارضوا الله فضلوا فأضلهم الله. يعني: زادهم ضلالا. وسبق أن أوضحنا هذه القضية وقلنا: هب أنك تريد أن تذهب إلى مكان ما، ووقفت عند مفترق الطرق لا تدري أيهما يوصلك إلى غايتك، فذهبت إلى رجل المرور تسأله أين الطريق، فدلك عليه فشكرته وعرفت له جميله، فلما رآك مطيعا له، شاكرا لفضله قال الله: لكن أمامك في هذا الطريق عقبة سأسير معك حتى تتجاوزها، هكذا يعامل الحق سبحانه المهتدين:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. وقد خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء
[القصص: 56] وخاطبه بقوله:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52] فأثبت له صلى الله عليه وسلم الهداية بمعنى الإرشاد والدلالة، لكن نفى في حقه الهداية بمعنى المعونة على الهدى، فالذي يعين هو الله. ثم إن الحق سبحانه لم يترك هذه المسألة هكذا، إنما بين من يهديه ومن يضله، فقال سبحانه:
إن الله لا يهدي القوم الكافرين
[المائدة: 67] وقال:
والله لا يهدي القوم الفاسقين
[الصف: 5] وأي هداية للإنسان بعد أن كفر بالله، وفسق عن منهجه، وأفسد في البلاد، وظلم العباد؟ وقوله تعالى: ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ [فاطر: 8] يعني: لا تهلك نفسك حسرة على عدم إيمانهم، وهذا المعنى شرحه الحق سبحانه في قوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هداية قومه، يألم أشد الألم حين يشرد أحد منهم عن طريق الإيمان لذلك قال تعالى عن نبيه محمد:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]. ثم يقول سبحانه مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إن الله عليم بما يصنعون ﴾ [فاطر: 8] يعني: لا تخفى عليه خافية من أفعالهم، وسوف يجازيهم ما يستحقون من عقاب على قدر ما بدر منهم من إعراض، فاطمئن ولا تحزن. بعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى بعض الآيات الكونية الخاصة بنعمه سبحانه على الخلق، فيقول تعالى: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت... ﴾.