تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: نحن صنعة الله، وما رأينا صانعا يعمد إلى صنعته فيحطمها أو يعيبها، إنما يصلحها ويهذبها ويعتني بها، حتى إن أصابك عطب أو إيلام فاعلم أنه في النهاية لصالحك. ﴿ وإلى الله المصير ﴾ [فاطر: 18] يعني: المرجع والمنقلب يوم القيامة ليفصل بين الخصوم، ولينال كل ما يستحق، فمن أفلت من العقاب في الدنيا فهناك مصير سيرجع إليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾.

35.19-22

هذه حقائق يقررها الحق سبحانه، فالمتناقضان لا يستويان، لأن الأعمى لا يعرف مواقع الأشياء من حركته، والبصير يعرف مواقع الأشياء من حركته، البصير يرى مواقع الأشياء ويتفادى الأخطار، أما الأعمى فلا بد له من مرافق يتطوع بصداقة عينه السليمة للعين الغائبة، لذلك نقول: إن أعطى الأعمى للعمى حقه صار مبصرا، كيف؟ لأنه لا يتكبر أن يستعين بالمبصر، فحين ينادي على من يأخذ بيده تتسابق إليه كل العيون من حوله لتساعده، أما إن تعالى فسرعان ما يندب على وجهه. والعمى والبصر حسيات توضح المعنوي، فالمراد لا يستوي الجاهل والعالم لأن حركة الحياة تنقسم إلى حركة مادية: تأتي وتذهب، تزرع وتقلع.. إلخ وحركة قيمية معنوية، وهي الروحانيات والأخلاقيات العالية، مثل معاني: الإيمان، الصدق، الوفاء، العدل، الرحمة.. إلخ. وإذا كانت الحركة المادية الحسية تحتاج إلى نور حسي يهديك حتى لا تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه، فكذلك الحركة القيمية المعنوية الروحية تحتاج إلى نور معنوي يهدي خطاك كي لا تضل، هذا النور المعنوي هو المنهج الذي قال الله فيه:

قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم

[المائدة: 15-16]. فالشمس هي النور الحسي، والقرآن هو النور المعنوي لذلك قلنا في قوله تعالى:

الله نور السموت والأرض

[النور: 35] أي: منورهما بالنورين. الحق سبحانه سبق أن ذكر لنا التقابل بين الماءين العذب والمالح، فقال سبحانه:

وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج

[فاطر: 12] نعم، لا يستويان، لكن العلاقة بينهما علاقة تقابل كالليل والنهار، لا علاقة تضاد كالأعمى والبصير، بدليل أن الله جمعهما معا، فقال:

ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها

[فاطر: 12] فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما متساندان لا متعاندان. وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى والبصير يقول: ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ [فاطر: 20]، لأن النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئا في الظلمة. هذا في العمى والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر لذلك يقول تعالى:

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

[الحج: 46]، فقد يكون الرجل مبصرا وهو أعمى بصيرة. والأعمى في المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، والبصير هو العالم بهذه الأحكام. وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد فيهما ملمحا من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ [فاطر: 19] قرنت بين الاثنين باستخدام واو العطف، أما الأخرى ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ [فاطر: 20] فذكرت لا النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يقل الحق سبحانه كما في الأولى: ولا الظلمات والنور، لماذا؟ قالوا: لأن العمى والبصر صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غدا، قد يكون جاهلا ويتعلم، أو كافرا ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان لذلك لم يؤكد معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان.

كما تلحظ في دقة الأداء القرآني لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال: ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ [فاطر: 20] فالظلمات جمع والنور مفرد لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا يعبد الملائكة.. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه. لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم أصحابه هذا الدرس خط لهم خطا مستقيما، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٢٧