تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.5

يعني: وعده حق في أنكم ستردون إلى الله في الآخرة، فيحاسبكم ويجازيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وهذا مبدأ معروف ومعمول به في كل المجتمعات، حتى البدائية منها، وحتى الملاحدة يعملون بهذا المبدأ، فيعطي المجد ويعاقب المقصر، بل بعض هؤلاء يضعون قوانين للثواب والعقاب أصرم وأشد من قوانين الله، مثل قوانين الإعدام والشنق ومصادرة الأموال.. إلخ. والمجتمع لا يستقيم أمره إلا بهذا المبدأ، فإن اختل تطبيقه فسد المجتمع، وأحبط الأفراد، وعمت الفوضى، ولم لا والمحسن لا يأخذ ثمرة إحسانه، والمجرم لا يعاقب على جريمته؟ إذن: لا بد أن نربي في الناس وازع الرغبة في الخير، والرهبة من الشر ليزداد المحسن في إحسانه، ويرعوى المسيىء عن إساءته. وكيف لا يقبل هذا المبدأ في عالم مليء بالمظالم والتعديات والبطش والجبروت، ثم لا يأتي الوقت الذي ينال فيه كل ما يستحقه؟ لذلك كثيرا ما أذكر ما دار بيننا وبين الشيوعيين الذين ينكرون مسألة البعث والحساب، فكنت أقول لهم: لقد أخذتم أعداءكم وقتلتموهم، وصادرتم أموالهم، وفعلتم بهم الأفاعيل لأنهم في نظركم غيروا مقاييس العطاء، فما بال من فعلوا هذا وظلموا، لكنهم أفلتوا منكم، ولم تطلهم أيديكم بعقاب؟ وما بال الظالمين قبلكم وبعدكم؟ أليس من الصواب القول بموعد يجمع هؤلاء جميعا للحساب، حيث ينال كل منهم جزاءه؟ أليس هذا الجزاء يسعدكم ويثلج صدوركم حين ترون الظالم يؤخذ بظلمه. إذن: كان عليكم أن تؤمنوا بهذا اليوم، لا أن تنكروه وتكفروا به، وهو يقوم على نفس المبدأ الذي تنادون به أنتم. لذلك تلحظ أن النداء هنا لكل الناس: ﴿ يأيها الناس إن وعد الله حق ﴾ [فاطر: 5] أي: وعده بالقيامة والبعث والحساب، فهذه مسألة يخاطب بها كل الناس، ووعد الله حق لأن الوعد يأخذ حقية من الواعد، ومن قدرته على إنفاذ وعده، ومن أقدر من الله؟ إذن: ينبغي أن نثق في الوعد إن جاء من الله سبحانه، ولا نثق في وعد من لا قدرة له في ذاته. وسبق أن بينا أن الإنسان يعد وينوي الوفاء وقت الوعد، لكنه لا يملك أسباب الوفاء، فربما طرأ عليه طارئ، أو تغيرت الظروف، فحالت بينه وبين الوفاء بوعده لذلك يعلمنا ربنا أدبا عاليا في هذه المسألة في سورة الكهف، فيقول سبحانه:

ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..

[الكهف: 23-24] فتعليق فعلك على مشيئة ربك يعفيك من الكذب إن عجزت عن الوفاء، فلك أن تقول: نويت الوفاء، لكن الله لم يشأ. لذلك لا يوصف وعد بالحقية إلا وعد الله لأنه سبحانه وحده الذي يملك كل أسباب الوفاء بوعده. ولا يعوقه عن الوفاء شيء، ولا يمانعه أحد.

وما دام أن وعد الله حق ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ [فاطر: 5] لا تخدعنكم لأن الناس طبائع، منهم من يغتر بثناء الناس عليه، ومنهم من يغتر في ذاته، وهذا هو الذي تغره الحياة الدنيا بشهواتها، فيعيش فيها بلا تكاليف وبلا التزامات، كما فعل الكفار حين عبدوا الحجارة، لأنها آلهة بلا تكاليف. لذلك يحذرنا ربنا: لا تخدعنكم الدنيا عن شيء آخر أعلى منها هو الآخرة، ويكفي ذما لهذه الحياة أن الله تعالى سماها دنيا، والمقابل للدنيا حياة عليا هي الآخرة، فالمعنى: لا تخدعنكم الدنيا عن مطلوب الله الذي يؤهلكم لحياة أخرى عليا. وسبق أن بينا أن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها، لا عمر الدنيا كله، وعمرك في الدنيا رغم قصره هو عمر مظنون، ونعيمك فيها على قدر حركتك فيها، أما عمرك في الآخرة فمتيقن، ونعيمك فيها على قدر إمكانات الله، وأنت مهما بلغت من نعيم الدنيا ينغصه عليك أن يزول، إما أن تتركه أنت وتموت، أو يتركك هو فتظل في الدنيا رغم غناك وتمتعك بها، مؤرقا مشغول البال خائفا من فوات النعمة، أما في الآخرة فالنعمة باقية دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. إذن: إن اغتررت بالدنيا فأجر هذه المقارنة. لذلك، لما تكلم الحق سبحانه عن هذه الحياة وصفها بأنها دنيا، ولما تكلم عن الآخرة قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٠٧