تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[هود: 114]. بل وأعظم من ذلك، ألا تقتصر رحمة الله على محو السيئة، إنما تبدل السيئة بعد التوبة حسنة:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما

[الفرقان: 70]. وحول معنى عباد و عبيد الذي أوضحناه سمعنا من يعترض ويقول: في القرآن ما يناقض هذا المعنى، وهو قوله تعالى في موقف القيامة يخاطب الكبراء والسادة الذين أضلوا الناس وزينوا لهم الكفر:

أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل

[الفرقان: 17]. ونقول: ليس بين الآيات تعارض كما تقولون لأن الحديث هنا عن الآخرة، وليس في الآخرة اختيار، فلا فرق بين عباد و عبيد في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿ فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ [فاطر: 45] ذكر هنا صفة البصر لأنها أقوى وسائل العلم والإدراك، فللعلم وسائل متعددة ذكرها الحق سبحانه في قوله:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. فالسمع أول وسائل الإدراك، وهو أول جارحة تتنبه وتؤدي مهمتها في المولود، بدليل أنك تضع مثلا أصبعك أمام عينه، فلا تطرف، أما إن صرخت في أذنه ينزعج ويستجيب للصوت، والسمع كذلك هو الحاسة التي لا تتعطل أثناء النوم لأن بها يتم الاستدعاء، والسمع هو الوسيلة الأولى في القيم والمعنويات، وبه يستقبل الإنسان منهج الله.

أما البصر وإن جاء في المرتبة الثانية إلا أنه أكبر من السمع وأقوى لأنك قد تسمع عن الشيء، لكن لا تلتفت إليه، فإن تحول من السمع إلى البصر فقد وصل إلى قمة الإدراك الذي لا شك فيه لذلك يقولون: ليس من العين أين. والشيء الذي تسمع عنه قد يكون كاذبا، أما الشيء الذي تبصره فإنه لا يكون إلا حقا. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - حين يريد أن يؤكد لنا معلومة، يقول سبحانه:

ألم تر

[الزمر: 21] لأن الذي تراه العين هو الآكد. وأبو جعفر لما قال لمقاتل: عظني يا مقاتل، قال له: أعظك بما سمعت، أم ربما رأيت؟ بالله أجيبوا أنتم بماذا؟ قال: عظني بما رأيت، نعم لأنك قد تسمع كذبا، أما إن رأيت بالعين فهو الحق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٥٩