35.11
تعرضت هذه الآية لقضية الخلق الأول للإنسان الخليفة، وهذا الخلق كان له مراحل، فالإنسان الأول وهو آدم عليه السلام خلق خلقا أوليا من مادة الأرض، وهي التراب الذي يخلط بالماء، فصار طينا، هذا الطين مر بأطوار عدة، فالطين إن تركته حتى يعطن وتكون له رائحة فهو الحمأ المسنون، فإن تركته حتى يجف ويتماسك فهو الصلصال، فهذه - إذن - أطوار للمادة الواحدة التي صور الله منها آدم، ثم نفخ فيه من روحه، وهذا هو الخلق الأول الذي أخذ الله منه حواء، ومنهما يتم التناسل والذرية. وقبل أن يتكلم الحق سبحانه عن خلق الإنسان تكلم عما خلقه الله للإنسان قبل أن يوجد، فتكلم سبحانه عن خلق السماوات والأرض
الحمد لله فاطر السموت والأرض
[فاطر: 1] ثم تكلم عن الملائكة الذين ينزلون بالوحي إلى الرسل من البشر، ثم أنزل من السماء ماء به تنبت الأرض. هذه كلها مقومات حياة الإنسان، أوجدها الله له قبل أن يوجده هو، وضمن له مقومات حياته المادية والمعنوية الروحية، المادية بالقوت طعاما وشرابا وهواء، والروحية بالمنهج والقرآن لذلك قال سبحانه:
الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان
[الرحمن: 1-3]. فالإنسان خلق لغاية، كالصانع يحدد غاية الشيء المصنوع قبل أن يبدأ فيه، وقلنا: إن الذي صنع التليفزيون أو الثلاجة لم يصنعها ثم قال: انظروا فيم تستخدم هذه الآلة، إنما قدر غايتها، وحدد هدفها قبل صناعتها، كذلك الحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان قدر حركته في الحياة وما يسعده فيها، فوضع له منهج القرآن قبل أن يخلق، ثم جاء خلق المادة بعد وضع المنهج. والحق سبحانه حينما يتكلم عن خلق الإنسان، يقول: ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ [فاطر: 11] فجاء الأسلوب كأنه يتحدث عن غائب، ولم يقل سبحانه أنا خلقتكم، فكأننا نقول: الله خلق الإنسان من تراب ذلك لأن وسائل الخطاب بين متكلم ومخاطب تأتي على ثلاث صور: ضمير المتكلم أنا، أو ضمير المخاطب أنت، أو ضمير الغائب هو. فالمتكلم حين يتكلم يقول: أنا فعلت. من الجائز أن يكذب، فإن خوطب: أنت فعلت. من الجائز أن ينافق، لكن إذا جاء الأسلوب بصيغة الغائب: هو فعل، فقد برئنا من الادعاء في المتكلم، ومن النفاق في المخاطب. وحين نقول هو خلق يعني: ليس هناك غيره، وسبق أن قلنا: إن ضمير الغائب هو لا ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى. وإذا استقرأت آيات الخلق في القرآن الكريم تجدها بأسلوب الغيبة في مائة وسبع آيات، بداية من قوله تعالى فى سورة البقرة:
هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] وآخره سورة الفلق:
قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق
[الفلق: 1-2] وبأسلوب المتكلم في ست وسبعين آية، مثل:
.. إنا خلقناكم من ذكر وأنثى..
[الحجرات: 13]. وبأسلوب المخاطب في أربعة مواضع هي:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]. وقوله:
خلقتني من نار وخلقته من طين
[الأعراف: 12]. وقوله:
أأسجد لمن خلقت طينا
[الإسراء: 61]. فأسلوب الغيبة هو أكثر هذه الأساليب لأن الحديث عن غائب يخلو من ادعاء، ويخلو من نفاق المواجهة، أو نفاق الخطاب. لكن، ما معنى الخلق؟ قال العلماء: الخلق إيجاد من عدم لحكمة أو لغاية مسبقة، لا مجرد الإيجاد من عدم، كيف؟ أنت إذا أخذت قطعة كبيرة من طين جاف ورميتها على الأرض، فإنها تتفتت قطعا مختلفة الأشكال، وربما وجدت منها على شكل هلال، وأخرى على شكل نجمة، وأخرى على شكل وجه إنسان أو حيوان. هذا يعد إيجادا، لكن لا يعد خلقا لأن الخلق إيجاد مقصود لغاية مقصودة، وحكمة مرادة، وهذه مهمة الخالق وحده سبحانه. فإن قلت: كيف والله تعالى يثبت لنا خلقا في قوله تعالى:
فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14]. قلنا: إن الخالق سبحانه يقدر مجهودات البشر، ولا يبخسهم حقوقهم لذلك يثبت لهم المشاركة في الخلق مع الفارق الواضح بين خلق الله وخلق غيره، فإذا وصف الإنسان بأنه خالق، فالله أحسن الخالقين لأن سبحانه يخلق من عدم، وأنت تخلق من موجود، وخلقك يثبت على حالة واحدة، ويجمد عليها، أما خلق الله فيتطور وتدب فيه الحياة فيتغذى وينمو ويتناسل.. إلخ. ومثلنا لذلك بصانع الزجاج يأخذ مثلا الرمل المخلوق لله، ثم يعالجه بطريقة معينة، ويحوله إلى زجاج، نعم أنت خلقت شيئا لأن هذا الكوب لم يكن موجودا، فأوجدته، لكن من مادة موجودة مخلوقة لله، وعقل فكر هو من مخلوقات الله، ونار صهرت هي من خلق الله. ثم إنك لا تستطيع أن تمنح هذا الكوب صفة الحياة، فينمو مثلا، أو يتكاثر، إذن: إن أثبت الله لك خلقا فهو سبحانه أحسن الخالقين. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ [فاطر: 11] وفي مواضع أخرى قال: