تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.34

هذا قول المؤمنين ساعة يتمتعون بنعيم الجنة، فهم لا ينسون المنعم سبحانه، فيحمدونه أولا على أن شرع لهم المنهج الذي أوصلهم إلى هذا النعيم، ويحمدونه على أن نجاهم وأنقذهم من الكفر وهداهم إلى الإيمان. إذن: هذا حمد مركب. وكلمة ﴿ الحمد لله ﴾ [فاطر: 34] هي آخر ما يقوله المنعمون في الآخرة، كما قال تعالى:

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

[يونس: 10]. ومن لطف الله بعباده وعطفه عليهم يعلمهم كيف يحمدونه سبحانه، ويعلمهم هذه الكلمة الموجزة المكونة من مبتدأ وخبر: الحمد لله، ذلك لأن الناس مختلفون في القدرة على الأداء البياني والتعبير البليغ، فواحد بليغ قادر على صياغة الأسلوب الجميل وتنميق العبارات، وآخر لا يجيد شيئا من هذا لذلك علمنا الله تعالى كيف نحمده بلفظ سهل ميسور يتساوى فيه الجميع. لذلك جاء في مناجاة رسول الله لربه:

".. لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ".

وقلنا: إن كلمة الحمد لله تستوجب سلسلة لا تنتهي من الحمد، فحين تقول على النعمة: الحمد لله. فهذه الكلمة في ذاتها نعمة تستوجب الحمد، وتستحق الحمد، وهكذا يظل الحق سبحانه محمودا، ويظل العبد حامدا إلى ما لا نهاية. وقوله سبحانه ﴿ الذي أذهب عنا الحزن ﴾ [فاطر: 34] هذه نعمة ثالثة تستحق الحمد، فالحمد أولا على النعم، وثانيا على أنك حمدت الله على نعمه، وثالثا تحمد الله الذي أذهب عنك الحزن، والحزن كل ما يحزنك أو يغمك، أو هو استدامة الحزن في الإنسان. فالإنسان يسعد بالنعيم في الدنيا ويسر به، لكن ينغصه عليه مخافة زواله، فيعيش مهموما حزينا، يخاف أن تفوته النعمة أو يفوتها هو بالموت، أما في الآخرة فلا يفكر المرء في شيء من هذا أبدا، فقد ذهب هذا الفكر مع ذهاب الدنيا، والجزاء في الآخرة باق دائم، لا يفوتك ولا تفوته. وقولهم: ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ [فاطر: 34] كأنهم يتهمون أنفسهم بالتقصير، وأنهم ما أدوا حق الله كما ينبغي، وأن ما هم فيه من النعيم ما هو إلا لأن ربهم غفور يتجاوز عن تقصيرهم، وشكور يشكر لهم العمل الصالح بعد أن وفقهم له وأعانهم عليه. ثم يذكر الحق سبحانه إقرارهم بما وهبهم الله من نعيم، فيقول: ﴿ الذي أحلنا دار المقامة من فضله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٤٤