35.10
التأبي على الرسالات تأب على أن يكون المؤمن الذي يكلف بتكليفات تبعا لرأي غيره وطوع أمره، والرسول ما جاء إلا ليقول لنا افعل كذا و لا تفعل كذا، وبعض الناس يرى في هذه الطاعة خدشا لكرامته وعزته، فهو يريد أن يكون الأعلى الذي لا يأمره أحد ولا ينهاه، وهؤلاء الذين تتحدث عنهم الآية يريدون أن تكون لهم العزة في نفوسهم. والحق - سبحانه وتعالى - هنا يصحح لهم معنى العزة ويبين غباءهم، فيقول سبحانه: ﴿ من كان يريد العزة ﴾ [فاطر: 10] أي: العزة الحقيقية لا المدعاة: ﴿ فلله العزة جميعا ﴾ [فاطر: 10] فالعزة الحقيقية ألا تكون مغلوبا ولا مقهورا لأحد، وهذه العزة لا وجود لها إلا في رحاب الله، فمهما بلغ الإنسان في الدنيا من القوة والجبروت لا بد أن يغلب، ولا بد أن يقهره الموت، فإن كنت مغرما بعزة لا تزول، فهي من جنب الله. لذلك فالله تعالى يعلمنا الحكمة، فيقول:
وتوكل على الحي الذي لا يموت
[الفرقان: 58] يعني: أنا أعلم بك وأعلم بضعفك، وأنك في حاجة إلى من تتوكل عليه ليقضي لك الأمور التي فوق طاقتك، فإياك أن تلجأ إلى غيري، فأنا الباقي الذي لا يموت، فإن توكلت على ضعيف مثلك، فربما مات قبل أن يقضى لك حاجتك، كذلك من أراد العزة فليكن في حضن الله يعتز بعزته، ويتقوى بقوته، ومن كان في حضن الله يخلع الله عليه من صفاته ويفيض عليه. لذلك سيدنا رسول الله يعطينا هذا الدرس،
" وهو في الغار، ومعه الصديق - رضي الله عنه - فيقول الصديق: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول سيدنا رسول الله وهو واثق بربه: " يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما " "
وحكى عنه القرآن قوله:
لا تحزن إن الله معنا
[التوبة: 40]. فهذه الطمأنينة التي ملأت قلب رسول الله منشؤها معية الله له ولصاحبه، وهذه المعية تقتضي أن يخلع الله عليهما من صفاته سبحانه، فإذا كان تعالى لا يرى، فمن كان في معيته كذلك لا يرى. ومعنى ﴿ العزة جميعا ﴾ [فاطر: 10] يعني: كل ألوان العزة، وهذه المسألة من المسائل التي تكلم فيها المستشرقون، يلتمسون فيها مأخذا على كلام الله، يقولون: إن الله يقول ﴿ فلله العزة جميعا ﴾ [فاطر: 10] وفي آية أخرى:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8]. ولا تعارض بين الآيتين لأن العزة في الأصل لله، وعزة الرسول من التحامه بالعزيز، وعزة المؤمنين من التحامهم بعزيز العزيز، فهي عزة موصولة من الله تعالى لمن اعتز به، وأول من اعتز بالله رسوله، ثم المؤمنون به. ثم يقول سبحانه: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ [فاطر: 10] دائما نخاطب الله على جهة العلو، مع أنه سبحانه في كل مكان، وليس له مكان، لذلك يحتج البعض على هذه المسألة فيقول: كيف أن الله ليس له مكان، وسيدنا رسول الله لما أراد الله أن يكلمه أصعده إلى السماء السابعة؟ نقول: كان الصعود لمكان الرائي لا لمكان المرئي، فالرائي لا يرى إلا من هذا المكان، فمثلا لو أننا سمعنا الآن ضجة خارج المسجد، وهذه النافذة التي تطل على هذه الضجة عالية، فماذا تفعل إن أردت أن تعرف ما يدور بالخارج، لا بد لك أن تصعد هذا العلو لترى ما يحدث، فالأحداث هي هي، لكن مكان الرائي يختلف.
ومعنى ﴿ الكلم الطيب ﴾ [فاطر: 10] هذا وصف عام لكل كلام يدل على منهج الخير، وقد أعطانا القرآن مثالا لذلك في قوله سبحانه:
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..
[إبراهيم: 24-25]. وقد حاول العلماء تحديد هذه الكلمة، فقالوا هي: كلمة لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولكن هذا التحديد يضيق المعنى الواسع الذي أراده الله تعالى منها، والأصوب أن نقول الكلمة الطيبة: كل كلام يؤدي إلى خير. وقوله تعالى: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ [فاطر: 10] بعد أن تكلم سبحانه عن صعود الكلم الطيب يتكلم عن رفع العمل الصالح لأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة الطيبة دون أن تؤدي مطلوبها، ودون أن يترجمها إلى عمل، وربما قالها نفاقا مثلا، كالذين قالوا لا إله إلا الله نفاقا وفرارا من القتل، ومع ذلك تصعد إلى الله، فيقول الله احموه بهذه الكلمة دنياه، ولا تتعرضوا له ما دام نطق بها، إنما ليس له عليها جزاء في الآخرة لأن الجزاء يتأتى من العمل الذي يخدم مدلول الكلمة، فالعبرة إذن بالعمل والعمل الصالح، فهو الذي يرفع إلى الله، ويحميك في الدنيا، ويحميك في الآخرة، ويجمع لك الخيرين. ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى المقابل: ﴿ والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ﴾ [فاطر: 10] الفعل مكر يتعدى بحرف الجر نقول: مكر بفلان ومكره يعني: خدعه ويتعدى بنفسه كما في ﴿ يمكرون السيئات ﴾ [فاطر: 10] وأصلها يمكرون المكرات السيئات، فهي وصف لمصدر مأخوذ من مادة الفعل مثل: