تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.32

الكتاب هو القرآن، إذن: هذا الميراث كان بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أن المرحلة التي بعد رسول الله مرحلة ميراث للكتاب وللمنهج يرثه العلماء عن رسول الله لذلك جاء في الحديث:

" إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ".

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان هو المبلغ والمعلم حال حياته، أما بعد وفاته فقد وكل الله هذه المهمة إلى العلماء. ومعنى ﴿ أورثنا ﴾ [فاطر: 32] يعني: طلبنا منهم أن يفعلوا فيه فعل الوارث في المال لأن الوارث للمال يوجهه وجهة النفع العام، وهذه هي وجهة الرسالة أيضا. لذلك قال تعالى:

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

[البقرة: 143] فنحن ورثة محمد، ومن علم منا حكما فعليه أن يبلغه. فالرسول شهيد على من بلغهم، كذلك أمته سيكونون شهداء على الناس الذين يبلغونهم. ومعنى ﴿ اصطفينا ﴾ [فاطر: 32] أي: اخترنا وفضلنا على سائر الأمة، ثم يقسم الحق سبحانه هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ [فاطر: 32] ظلمها بالتقصير في حق هذا الكتاب الذي ورثه، فلم يعمل به كما ينبغي أن يعمل، بل قد يرتكب كبيرة والعياذ بالله. وهذا الصنف ظلم نفسه لأنه حرمها الثواب فكل تكليف يطلب منك العمل اليسير ويعطيك عليه الجزاء الوفير، فحين تقصر في اليسير من العمل فإنك لا شك ظالم لنفسك. ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ [فاطر: 32] يعني: يعمل به في بعض الأوقات، فيخلط عملا صالحا بآخر سيء. ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ﴾ [فاطر: 32]. اللهم اجعلنا منهم إن شاء الله، وكلمة سابق تدل على أن هناك سباقا ومنافسة: أي المتسابقين يصل أولا إلى الغاية الموضوعة للسباق، وأهل هذا الصنف يتسابقون في الخيرات. وقوله تعالى: ﴿ اصطفينا ﴾ [فاطر: 32] دلت على أن كلمة التوحيد لها ثمن، والإيمان برسول الله له ثمن، والعمل بما جاء به رسول الله له ثمن، وإن كان من بين هؤلاء المصطفين من يظلم نفسه بالتقصير بل وارتكاب المعاصي، وهو مع هذا كله من المصطفين لأنه قال لا إله إلا الله، والحق سبحانه لا يسوي بين من قال هذه الكلمة ومن جحدها " لا إله إلا الله حصني، من قالها دخل حصني ". لذلك ذكر الحق سبحانه لهؤلاء المؤمنين الذين ورثوا الكتاب وصفين: ﴿ الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ [فاطر: 32] فوصفهم بالاصطفاء، والعبودية له سبحانه. إذن: نزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وورثت أمته الكتاب من بعده، فهي امتداد لرسالته لذلك أمن الله على هذه الأمة على أن تحمل منهج الله إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة، في حين لم يأمن غيرنا.

وقد تكفل الحق سبحانه بحفظ هذا الكتاب، ولم يكل حفظه إلى أحد كما حدث في الكتب السابقة على القرآن، كما قال سبحانه:

إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون..

[المائدة: 44]. ومعنى ﴿ استحفظوا ﴾ [المائدة: 44] طلب منهم أن يحفظوه، لكنهم قصروا فنسوا بعض الآيات، وحرفوا بعضها، وكتموا بعضها، بل ومنهم من كان يأتي بكلام من عنده ويقول هو من عند الله، ولأن القرآن هو الكتاب الخاتم حفظه الله بنفسه، ولم يأمن أحدا على حفظه. فإن قلت: كيف يكون الظالم نفسه من المصطفين، وهو مرتكب للذنوب وربما للكبائر؟ نقول: بمجرد أن يقول العبد أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهو مصطفى، اصطفاه الله على الكفار بهذه الكلمة، وإن حدثت منه المعصية بعد ذلك. والحق سبحانه وتعالى حين يذكر الذنب ويجرمه ويضع له عقوبة، فهذا إذن بأنه سيقع، فمثلا جرم الله السرقة ووضع لها حدا، وجرم الزنا ووضع له حدا، فكأن مثل هذه الأمور تحدث في مجتمع المسلمين، أما الكذب مثلا فلم يضع له حدا ولا عقوبة، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله لما سئل: أيزني المؤمن يا رسول الله؟ قال: نعم، أيسرق المؤمن يا رسول الله؟ قال: نعم، أيكذب المؤمن يا رسول الله؟ قال: لا. فكأن المؤمن يتوقع منه الزنا والسرقة، ولا يتوقع منه الكذب، فهو أبعد الصفات عن المؤمن، لماذا؟ قالوا: لأن الكذب يخالف الواقع ويقلب الحقائق، والمؤمن لا يكذب لأنه ينطق بلا إله إلا الله، فإن كان كذابا ما يدريني أنه صدق في هذه الكلمة، فكأن الكذب يهدم الإيمان من أساسه لذلك لم يجعل الله له عقوبة لأنه لا يتصور من المؤمن. والمقتصد: هو الذي تساوت حسناته وسيئاته، وخلط عملا صالحا بآخر سيء، وفي موضع آخر يقول تعالى فى حق هذا الصنف:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٤٠