35.29-30
بعد أن ذكر الحق سبحانه العلم الكوني، وأنه وسيلة لخشية الله ومعرفة أسراره في كونه أراد سبحانه أن يلفت أنظارنا وأن يحذرنا: إياكم أن تفتنوا بالعلم الكوني فينسيكم مهمتكم في أن تتلقوا عن الله ما يسعدكم، فتحدث سبحانه عن المنهج: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾ [فاطر: 29] وهذا هو العلم الشرعي والذكر الذي يعصم الناس من اختلاف الأهواء. ومعنى ﴿ يتلون كتاب الله ﴾ [فاطر: 29] أي: تلهج به ألسنتهم، وتعيه قلوبهم ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ [فاطر: 29] وهذه عبادة تشترك فيها كل الجوارح ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ﴾ [فاطر: 29] والإنفاق يخص الناحية المالية، فهو دليل على سماحة النفس بما تنفق، وحبها للبذل والعطاء في السر والعلانية، وبالإنفاق تكتمل لهذه النفس الصفات الطيبة، ويجتمع لها عمل القلب وعمل الجوارح في طاعة الله. وقوله: ﴿ مما رزقناهم ﴾ [فاطر: 29] يعني: أن الإنفاق ليس من مالك الخاص، إنما من مال الله الذي رزقك، وجعلك مستخلفا فيه وما نفقتك إلا سبب، والأسباب في الكون ستر ليد الله في العطاء. وهؤلاء الذين ينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ [فاطر: 29]. فالإنفاق في سبيل الله تجارة مع الله ﴿ لن تبور ﴾ [فاطر: 29] أي: لن تكسد، وأنت حين تنفق على المحتاجين، وحين تطعم الجائع إنما تحبب الله إلى خلقه أرأيت لو أن ملكا من ملوك الدنيا له عبيد، أليس مكلفا بإطعامهم وسد حاجتهم، وهذه من سمات العظمة فيه، كذلك الحق سبحانه هو خالق هؤلاء الفقراء، وهو الذي استدعاهم للوجود، وهو سبحانه المكلف باقتياتهم. إذن: حين تطعمهم أنت فكأنك تؤدي مهمة الله عز وجل، وتحبب خلق الله إلى الله، فالحق سبحانه حين يعطف مخلوقا على مخلوق يقول: كأن عبدي يعينني على خلقي لأن الله تعالى استدعى الخلق للوجود، وتكفل بأن يغنيهم، فحين يأتي عبده الغني ويكون في عون الفقير يقول سبحانه: كان عبدي في عون أخيه بقدرته، فلا بد أن أكون في عونه بقدرتي، فالعبد لا يكون أبدا أكرم من خالقه، وكيف يعطف العبد وهو لم يخلق شيئا، ولم يستدع أحدا للوجود، ولا يعطف الخالق سبحانه؟ فإن قلت: ما دام الحق سبحانه قد استدعى الخلق للوجود، فلماذا لم يضمن لهم الحياة الكريمة التي لا يحتاجون فيها لعطف أحد غيره؟ نقول: أراد الحق سبحانه أن يزرع بذور المحبة والتعاطف بين خلقه، أراد مجتمعا مسلما قائما على المحبة وعلى التعاون وعلى التكافل، ثم وعد سبحانه السخي المعطي بأن يعامله بقدر سخائه وعطائه هو سبحانه. هذه هي التجارة مع الله التي لا تبور، والبور والبوار. أي: الفساد وهو يصيب التجارة من ناحيتين: إما فساد في الربح، كأن تتبعك التجارة ولا تربح، أو فساد في الربح وفي الأصل يعني: تخسر أصل التجارة، ومعلوم أن الإنسان لا يتاجر إلا بقصد الربح لذلك قال أهل المعرفة وأهل التجارة مع الله: إن أردت الربح المحقق فتاجر مع كريم وهبك ما تجود به، وبعد ذلك يجازيك عليه.
لذلك كان أحد الصالحين يهش في وجه السائل ويبش ويقول له: مرحبا بمن جاء ليحمل عني زادي إلى الآخرة بغير أجرة. وسئل الإمام على - رضي الله عنه - يا أبا الحسن، أريد أن أعرف نفسي، أأنا من أهل الدنيا؟ أم من أهل الآخرة؟ فقال: إن كنت تهش لمن يعطيك أكثر ممن يأخذ منك، فأنت من أهل الدنيا لأن الإنسان يحب من يعمر ما يحب.
" ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال له صحابي: أنا أكره الموت، فقال له الرسول: " ألك مال؟ " قال: نعم، قال: " أتتصدق به "؟ قال: لا، قال: " إن المال يحب صاحبه، فإن كنت تحبه في الآخرة أحببت أن تموت للآخرة، وإن كنت تحبه في الدنيا أحببت أن تظل معه في الدنيا ".
واستخدام أداة النفي لن هنا له ملحظ، فلن تنفي الحال والاستقبال لأن الإنسان قد يموت قبل أن يدرك ثمرة الخير في هذا العطاء، وقبل أن يرى نتيجة صدقه لذلك يطمئنه ربه بأن هذه تجارة مع الله لن تبور، وسوف ينتظره جزاؤها في الآخرة وقوله تعالى: ﴿ سرا وعلانية ﴾ [فاطر: 29] أي: على أي حال، أما نفقة السر، فالحكمة منها أنها تبعد صاحبها عن الرياء أو المباهاة، وهي أيضا ستر لحياء الآخذ لذلك كان بعض العارفين إذا أراد أن يعطف على فقير أو محتاج يحتال على ذلك بحيلة تحفظ للمحتاج ماء وجهه، فيكلفه مثلا بعمل بسيط، ثم يعطيه المال على أنه أجره على العمل، لا على أنه صدقة. والبعض يتأدب في هذه المسألة، فيعطي المحتاج على أنها قرض وفي نيته أنها صدقة، وربما أكد هذا المعنى، فقال لصاحبه: ربنا يعينك على السداد، لكن إياك تاكله. وبعضهم يعطي الصدقة على أنها أمانة، لكن يقول للآخذ: إذا تيسر لك هذا المبلغ وأصبح فائضا عن حاجتك فأعطه محتاجا إليه، وقل له يعطيه بدوره إلى من يحتاج إليه بعده، وهكذا تتنامى الصدقة، وتدور على ما شاء الله من المحتاجين إليها. هذا عن صدقة السر، أما العلانية فالحكمة منها أنها تمثل زاجرا للواجد حتى لا يبخل ولا يضن بما عنده، كذلك تحمي صاحبها من ألسنة الناس، وتحمي عرضه أن يخوض الناس في حقه فيقولون: يبخل رغم غناه. كما أن الإنفاق علانية يعد نموذجا وأسوة للغير في العطاء. وقال العلماء: يراد بالسر الصدقة الزائدة على الفريضة، وهذه ينبغي فيها الستر، ويراد بالعلانية الزكاة المفروضة لأن الجهر في العبادة مطلوب كما هو الحال في الصلاة مثلا، والمتأمل يجد الزكاة أولى بالعلانية من الصلاة، فمن اليسير إقامة الصلاة في أوقاتها، أما الزكاة فقد تكون واجدا لكن تشح نفسك وتبخل بالعطاء.