تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم

[الفتح: 29]. إذن: الخالق عز وجل جعل فيك الغرائز المتناقضة، لا يكبت شيئا منها، لكن لتستعمل كل غريزة منها في موقعها المناسب. ومعنى: ﴿ يؤاخذ ﴾ [فاطر: 45] يعني: يعاقب ويجازي ﴿ بما كسبوا ﴾ [فاطر: 45] نقول: كسب واكتسب، كلمة كسب تدل على وجود تجارة فيها ربح ومكسب زيادة على رأس المال، وهي تدل على المكسب الذي يأتي طبيعيا، أما اكتسب ففيها مفاعلة، وهي على وزن افتعل، ففيها افتعال وتكلف. لذلك يستعمل القرآن كسب في الخير واكتسب في الشر

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت

[البقرة: 286] لأن فعل الخير يأتي منك طبيعيا، لا تكلف فيه ولا افتعال على خلاف الشر، فيحتاج إلى محاولات وإلى حيل واحتياط وتلصص.. الخ. لذلك قلنا: إن الطاعة لا تكلف الإنسان شيئا، أما المعصية فهي التي تكلف الكثير لأن الطاعة تأتي منك طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى حيل واحتيال وافتعال. فإن قلت: فما بال قوله تعالى في السيئة

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار

[البقرة: 81]. نقول: استعمل القرآن كسب مع السيئة لأنه يتحدث عن الذين أسرفوا على أنفسهم، وبالغوا في المعصية حتى أحبوها وعشقوها، بل ويتحدثون بها ويجاهرون، وحتى أن المعصية تأتي منهم طبيعية، كأنها طاعة، ويفعلونها بلا افتعال ولا احتياط، فهي في حقهم كسب لا اكتساب، ويفرحون بها كأنها مكسب فلا يؤنبون أنفسهم، ولا يلومونها، ولا يندمون على معصيتهم. والآية هنا بنفس هذا المعنى ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا.. ﴾ [فاطر: 45] يعني: عشقوا المعصية والظلم وفرحوا به كأنه مكسب. ثم يأتي جواب الشرط: { ما ترك على ظهرها من دآبة.

. } [فاطر: 45] معنى الدابة: كل ما يدب على الأرض. أي: يمشي عليها الهوينا، لكن غلبت الكلمة على ما يركب ويحمل الأثقال. لذلك قال العربي لآخر: لقد أعييتني شب ودب يعني في شبابك، وفي شيخوختك، وأنت تدب وتمشي الهوينا. لكن، ما ذنب الدواب تتحمل عاقبة ظلم الإنسان؟ قالوا: العلاقة هنا أن الدابة مخلوقة مذللة لخدمة الإنسان وراحته، فمعنى هلاك الدواب أن تمتنع راحة الإنسان، وأن يمتنع المطر وتجدب الأرض، وعندها لا يجد الإنسان قوته، لا من لحوم الدواب ولا من نبات الأرض، وفي هذا إذلال للإنسان الذي يرى وسائل حياته وأسباب راحته تسلب منه دون أن يفعل شيئا، ولا يقدر على شيء. وحين نتتبع آيات القرآن نجد أنه تكلم عن هذا المعنى في موضعين: الأول: في سورة النحل:

ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون

[النحل: 61]. والآخر هنا في فاطر: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ [فاطر: 45]. قد يرى البعض في الآيتين تكرارا، وحاشا لله أن يكون في كلامه تكرار، فإذا تأملت لوجدت بينهما خلافا، يجعل لكل منهما معناها الخاص. فالأولى تتكلم عن ظلم الناس، والأخرى عما اكتسبوه من السيئات عامة، وكل من اللفظين يعطيك لقطة جديدة لأنني قد أظلم، لكن أندم على ظلمي، ولا أفرح به، ولا أتمادى فيه، أما إن صار عادة لي حتى عشقته، فهو اكتساب وافتعال بالمعنى الذي ذكرنا. الأولى تقول: ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ [فاطر: 45] والأخرى:

ما ترك عليها

[النحل: 61] كذلك في تذييل الآيتين، ففي الأولى يتحدث الحق سبحانه عن الزمن والأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي الأخرى يتحدث عن الجزاء، وأن الله تعالى بصير بأعمال عباده، لا يخفى عليه منهم شيء، إذن: فالآيتان متكاملتان، ليس فيهما تكرار أبدا. وضمير الغائب في ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ [فاطر: 45] و

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٥٦