تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أنتم أعلم بشئون دنياكم "

يعني: المسائل الكونية والعلمية والمعملية التجريبية، هذه أمور لا دخل لأحكام الشرع فيها، لكن آفة العلماء اليوم ألا يلتزم كل بما يخصه. لذلك خص الله هنا علماء الكونيات لأنهم الأقدر على التمعن في أسرار الله، فالحق سبحانه ملأ كونه بأسرار تتناسب مع تطور العصر ومضي الزمن، فالأسرار التي عرفها الإنسان في العصر الحجري مثلا غير التي عرفها في العصر الحديث، وشاءت حكمة الله أن يجعل لكل سر من أسراره ميلادا يظهر فيه، بحيث لا تظهر الأسرار في زمن واحد، ويستقبل الإنسان باقي الزمن بدون جديد. وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الحق سبحانه أظهر للإنسان ما فيه مقومات حياته، ثم ترك الأمور البدهية التي يعرفها الناس ليترقوا فيها، فالإنسان مثلا استخدم بدهية أن الماء ينساب من أعلى إلى أسفل، ورقى هذه البدهية وأصبح يستقبل الماء في بيته من الصنبور الحنفية، بعد أن كان ينقل الماء من الآبار والأنهار، ويتحمل في سبيل ذلك المشاق، فلما أعمل عقله في بدهيات الكون ترقى وجنى ثمرة هذا الترقي.

لذلك تجد أن أعقد النظريات العلمية والالكترونية مأخوذة في بدايتها من بدهيات، وقلنا في علم الهندسة: إنك تبرهن على صدق النظرية المائة باستخدام النظرية التسعة والتسعين، وهكذا حتى تصل إلى النظرية الأولى، وهي قائمة على بدهية من بدهيات الكون، لا تختلف فيها العقول. لذلك دائما يدعونا الحق سبحانه إلى التفكر والتأمل والتدبر.. الخ وما توصل إليه البشر الآن من آلات ووسائل حديثة مثل: الغسالة، والثلاجة، والتلفاز.. الخ ما هي إلا ثمرة هذا الفكر الذي رقى البدهيات، حتى وصل بها إلى ما وصل إليه الآن، ومن أراد أن يقف على هذا الترقي، ويرى قدرة الله في توارد الصناعات وارتقاءاتها من حلقة إلى حلقة فليذهب إلى ديترويت ليرى هناك معرض فورد الذي يضم ارتقاءات الصناعات من إبرة الخياطة للصاروخ. إذن: الكون فيه أسرار يكتشفها الإنسان، ولكل سر ميلاد يظهر فيه، إما نتيجة بحث للإنسان أو حتى صدفة، ومن لطف الله تعالى أن الملاحدة لما اكتشفوا بعض أسرار الكون قالوا اكتشفنا، ولم يقل أحد منهم: اخترعنا. وكأن الله تعالى صرفهم وألهاهم عن النطق بكلمة الاختراع ولوى ألسنتهم حتى لا يجترئوا على الله، فالجاذبية مثلا موجودة منذ خلقت السماوات والأرض، ودور الإنسان أنه اكتشف هذا السر لذلك الذي يقول اخترعت نقول له: هذا كذب والصواب أنك اكتشفت. وقوله تعالى: ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ [فاطر: 28] عزيز لا يغلب، وغفور لكم إن بدر منكم سهو أو تقصير في استنباط أسرار الله في كونه، يغفر لهم إن أخطأوا في تجربة من تجاربهم، فسوف يأتي من بعدهم ويصححها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٣٦