تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنت حين تنفق تنفق على من؟ على محتاج غير قادر أو مسلوب القدرة، ومن الذي سلبه القدرة؟ الله، لذلك كلفك الله أن تنفق على من سلبه القدرة، وأن تعينه: أولا حتى لا يحقد عليك، وحتى يتمنى لك المزيد من الخير لأن خيرك سيعود عليه، لذلك كنا نرى أهل الريف مثلا يحزنون ويبكون إن ماتت بقرة فلان أو جاموسة فلان، لماذا؟ لأنها كانت تسقي الفقراء من لبنها، وتحرث أرض المحتاج. ثانيا: وهذه حكمة أسمى من الأولى، وهي أن النفقة على غير القادر تجعله لا يغير خواطره على ربه وخالقه وتحميه من الاعتراض على قدر الله الذي منعه وأعطى غيره، وضيق عليه ووسع على الآخرين. النفقة على غير القادر تجعله يشعر أنه أحظ حالا من الغنى، ولم لا وهو يساق له رزقه دون تعب منه ودون عناء؟ ويأتيه الغنى إلى بابه ليعطيه حقه في مال الله. لذلك قال العلماء: الفقير شرط في إيمان الغني، وليس الغني شرطا في إيمان الفقير. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول:

".. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".

والحق سبحانه وتعالى لما تكلم عن المحسنين الذين يكلفون أنفسهم فوق ما كلفهم الله، ومن جنس ما كلفهم الله، يقول سبحانه:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 15-19]. فالحق غير المعلوم هو الصدقة، أما الزكاة المفروضة التي هي حق الفقير في مال الغني فقد وردت في صفات المؤمنين في سورة سأل فقال سبحانه:

والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل والمحروم

[المعارج: 25]. لذلك، فالزكاة لا تخفى، بل تؤدى علانية، لأنك تؤدي حقا عليك للفقير، حتى أن بعض فقهاء الأندلس رضي الله عنهم قال: لو مكنت بولاية أمر على المؤمنين، فرأيت من يمنع الفقير حقه بمقدار نصاب لأتيته لأقطع يده، فتأمل هذا الاجتهاد من العلماء، وكيف ساووا بين منع الفقير حقه والسرقة. وسواء أكان الإنفاق سرا أم جهرا وعلانية، فلا بد أن تتوفر له النية الخالصة كما علمنا ربنا في الحديث القدسي:

" الإخلاص سر من أسراري، أودعته قلب من أحببت من عبادي، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده "

وأنت في عطائك تتعامل مع الله، والله واجد ماجد كريم، لا يبخسك حقك، وتجارتك معه سبحانه لا بد أن تكون رابحة لذلك قال بعدها: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ [فاطر: 29].

كذلك يحذرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرياء الذي يحبط الأعمال، ويفسدها ويحرم صاحبها من ثمرتها يوم القيامة، حيث يقال له: فعلت ليقال وقد قيل. ويحذرنا سيدنا رسول الله أن تكون أعمالنا كأعمال الكافرين الذين قال الله فيهم:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. ثم يقول سبحانه: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.. ﴾ [فاطر: 30] أي: أنهم سيأخذون جزاء أعمالهم وعطائهم بوفاء من الله، ثم يزيدهم بعد ذلك من فضله تكرما، قالوا هذه الزيادة أن تقبل شفاعتهم فيمن يحبون، فإن شفعوا لأحد من أحبابهم قبل الله شفاعتهم، لماذا؟ لأن لهم أيادي سابقة على الفقراء والمحتاجين من عباد الله، يكرمهم الله من أجلها، ويتفضل عليهم كما تفضلوا على عباده. ﴿ إنه غفور شكور ﴾ [فاطر: 30]. ولك أن تسأل: لماذا ذيلت الآية باسم الله الغفور، مع أنها تحدثت عن أعمال الخير من تلاوة كتاب الله، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، فأي شيء من هذه يحتاج إلى المغفرة؟ قالوا: ذكر هنا المغفرة، لأن العبد حين يضع شيئا من هذا الخير قد يداخله شيء من الغرور أو الإعجاب أو غيره مما يشوب العمل الصالح، فيغفرها الله له، ليلقى جزاءه خالصا لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٣٨