تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع تقدم العلم الآن لم يستطيعوا تحديد موعد الولادة بشكل قاطع، وستبقى هذه اللحظة في علم الله ﴿ ولا تضع إلا بعلمه ﴾ [فاطر: 11] لماذا؟ لأننا نعرف نعم مدة الحمل، لكن لا نعرف على وجه التحديد متى التصق الزيجوت في الرحم لذلك فإن أطباء الولادة دائما ما يقولون ستضع الحامل بين كذا وكذا من الأيام. إذن: لحظة الولادة أشبه ما تكون في خفائها بلحظة الموت لا يعلمها إلا الله، ومعنى يعلمها يعني: يعلمها بكل ما يحيط بها من ملابسات وأحداث.

وبعد أن تضع المرأة حملها تتحول إلى مرضعة وحاضنة فيجري لها الخالق سبحانه رزق ولدها لترضعه دون أن يأخذ من رزقها شيئا، لأن إمداد الله لها مستمر، والشيء ينقص إن أخذ منه دون إمداد. ثم يقول سبحانه: ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ﴾ [فاطر: 11] يعمر يعني: يمد الله في عمره، وعندنا في اللغة أفعال ملازمة للبناء للمجهول، فمثلا نقول: زكم فلان لأنه لم يجلب لنفسه الزكام، كذلك نقول: فلا عمر. هو لم يعمر نفسه، إنما عمره الله، لذلك جاء بصيغة اسم المفعول معمر، والمعمر يعني: طويل العمر. وهذا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون معترضين كالعادة، بسبب جهلهم باللغة العربية وأساليبها، قالوا: كيف يعمر بالفعل، فيعيش مائة سنة مثلا ثم ينقص من عمره؟ نقول: هم معذورون لأنهم لا يعلمون أن في اللغة ضميرا ومرجعا للضمير. فتقول مثلا: قابلت فلانا فأكرمته، فالهاء في أكرمته تعود على فلان هذا، وتقول: تصدقت بدرهم ونصفه. فهل يعني هذا أنك تصدقت بدرهم، ثم أعدته ثانية ونصفته؟ لا إنما المعنى: تصدقت بدرهم ونصف درهم مثله، فمرة يعود الضمير على ذات واحدة، ومرة يعود على واحد من مثله، كما في: تصدقت بدرهم ونصفه. والإنسان له ذات وله صفات، ذاته هي قوام تكوينه، وصفاته ما يطرأ على الذات من أوصاف، فكونه معمرا يعني بلغ سنا كبيرة، وكما يعود الضمير على مثل الأول أو على بعض مثله، كذلك يعود على بعض ذاته، فالمعمر ذات ثبت لها التعمير، فعلام يعود الضمير في ﴿ ولا ينقص من عمره ﴾ [فاطر: 11] صحيح حينما يصل إلى مائة سنة لا نستطيع أن نميته في سن العشرين مثلا. إذن: أعد الضمير على الذات دون الصفة، وما يعمر من معمر، ولا ينقص من ذاته، فالذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله، فيصير المعنى مثل: تصدقت بدرهم ونصفه. والحق سبحانه حدثنا عن التعمير عندما تكلم عن اليهود:

وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى

[البقرة: 111]. وقالوا:

وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة

[البقرة: 80]. فرد الله عليهم: إن كنتم ضمنتم الجنة، وأنه لا يأخذها منكم أحد، فتمنوا الموت الذي يوصلكم إليها:

قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين

[البقرة: 94]. ثم حكم الله عليهم ﴿ ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ﴾ [البقرة: 95-96]. فمعنى ﴿ ولا ينقص من عمره ﴾ [فاطر: 11] يعني: من عمر ذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله. وقوله ﴿ إلا في كتاب ﴾ [فاطر: 11] أي: في اللوح المحفوظ، فكل ما يحدث في الأعمار وفي فترات الحمل والوضع من الإنقاص أو الزيادة، كله مسطر معلوم في اللوح المحفوظ ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ [فاطر: 11] فإن كان صعبا عليكم وعلى فهمكم فهو يسير وسهل على الله سبحانه.

ألا ترى لسيدنا زكريا عليه السلام وهو يدعو الله أن يرزقه الولد الصالح الذي يرث النبوة من بعده، مع أنه بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر، وأي ذرية بعد هذا السن خاصة إن كانت الزوجة عاقرا؟ لكن، إن كانت بقوانين الله، فالأمر سهل ميسور. واقرأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨١٧