تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة

[الحج: 5]. وأول زواج تم بين أولاد آدم تم بالتباعد، فابن هذه البطن يتزوج أخته من بطن أخرى، وهكذا كان التباعد بحسب زيادة النسل قدر المستطاع، ومسألة التباعد هذه هي التي أدت إلى أول جريمة قتل في البشرية، وهي مسألة قابيل وهابيل، فلما اتسعت الدنيا، وكثر الناس منع زواج الأخت والخالة والعمة. وقد أثبت العلم أهمية التباعد في الزواج، وأن زواج الأقارب يثمر نسلا أضعف من زواج الأباعد، حتى في الزراعة أثبتوا أن زراعة الحبوب المستخرجة في نفس أرضها يعطي محصولا أقل لذلك لجئوا في الزراعة إلى عملية التهجين. والنبي صلى الله عليه وسلم يحث على هذا التباعد، فيقول:

" اغتربوا لا تضووا "

يعني: لا تتزوج شديدة القرابة منك لأن الأقارب خصائص وجودهم واحدة والدم واحد، أما في الاغتراب، فالخصائص مختلفة والدم مختلف لذلك يأتي النسل أقوى لذلك فطن الشاعر العربي إلى هذه المسألة، فقال:

أنذر من كان بعيد الهم

تزويج أولاد بنات العم

فليس بناج من ضوى وسقم

بأبي وإن أطعمته لا ينمي

وقد لاحظوا ضعف النسل في الأسر التي تزوج أولادها من الأقارب، ومدحوا الاغتراب، فقال الشاعر:

فتى لم تلده بنت عم قريبة

فيضوى وقد يضوى سليل الأقارب

وآخر يبتعد عن بنت عمه في الزواج رغم حبه لها، ويقول:

تجاوزت بنت العم وهي حبيبة

مخافة أن يضوي علي سليلها

ثم يقول تعالى:

وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه

[فاطر: 11] عملية حمل الأنثى تتم نتيجة الالتقاء بين الذكر والأنثى تحت مظلة الشرع ومنهج الله، وللعلماء كلام طويل في مسألة حمل المرأة، أهي المسئولة عنه أم الرجل، وأخيرا سمعنا من التحاليل التي أجروها أن الرجل هو المسئول عن ميكروب الذكورة أو الأنوثة، أما المرأة فتحمل البويضة التي تستقبل هذا أو ذاك.

وعجيب أن تفطن المرأة العربية القديمة إلى نتائج العلم الحديث الآن، وأن يكون لديها إلمام وفهم لهذه المسألة، فالمرأة البدوية التي كانت لا تنجب إلا البنات، فغضب عليها زوجها، وذهب فتزوج بأخرى لتنجب له الولد، وهجر الأولى، فأنشدت وقالت:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

غضبان ألا نلد البنينا

تالله ما ذاك في أيدينا

ونحن كالأرض لغارسينا

*نعطي لهم مثل الذي أعطينا*

وعجيب أن تتكلم البدوية بما توصل إليه العلم الحديث في القرن العشرين، وكأن الحق سبحانه يريد أن يثبت لنا أن الفطرة السليمة البعيدة عن الهوى قد تصل إلى حقائق الكون، فسداد الرأي لا يجتمع وهوى النفس لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، ومن ذلك ما روي عن سيدنا عمر من أن القرآن كان ينزل على وفق ما يراه، وما ذاك إلا لسلامة فطرته. وقوله: ﴿ ولا تضع إلا بعلمه ﴾ [فاطر: 11] هذه مراحل تمر بها المرأة، أولا، تزوجت ثم حملت، ثم وضعت حملها، وهذه كلها مراحل السلامة، ولم يذكر - سبحانه وتعالى - ما يطرأ على الحمل من عطب، فقد تحمل الأم ويسقط جنينها ولا تضعه. والإعجاز الذي يصاحب عملية الحمل أن الدم الذي ينزل من المرأة حال الدورة الشهرية يتحول عندما تحمل إلى غذاء للجنين فكأن هذا الدم ليس رزقا لها، بل رزق ولدها إن قدر لها الحمل، وإن لم يقدر لها حمل نزل منها دون أن تستفيد منه بشيء. والعجيب أن هذا الدم يكفي الجنين الواحد، ويكفي الاثنين والثلاثة، والأكثر من ذلك، وأخيرا سمعنا عن المرأة التي ولدت سبعة، ومع ذلك كانت بحالة جيدة يعني: لم ينقص من وزنها شيء، وكأن الخالق عز وجل يذكرنا قبل أن تحملوا هم القوت والأرزاق انظروا ما فعل الله بكم وأنتم في بطون أمهاتكم، فلكل منكم رزق لا يتعداه ولا يخطئه. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨١٦