تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من طين

[الأنعام: 2] وقال

من حمإ مسنون

[الحجر: 26] وقال:

من صلصال كالفخار

[الرحمن: 14] ولا تعارض بين هذه الأقوال لأنها أطوار للمادة الواحدة كما بينا، كالثوب الذي تلبسه تقول: هذا الثوب من القطن، أو من الغزل، أو من النسيج، فهي مراحل تمر بها المادة الواحدة. فليس في هذا تناقض في المراحل، إنما التناقض في أن يكون الشيء مرتبة واحدة، ثم تجعله مراتب، إنما هذه المسألة مراحل للمرتبة الواحدة، كالطفل يصير غلاما، ثم شابا، ثم رجلا، ثم كهلا.. إلخ كلها مراحل لإنسان واحد. الحق سبحانه حكم في كونه بأشياء، ونهى العقل أن يفكر في أشياء، قال: أنا خلقت لك الكون والمادة، وضمنت لك مقومات حياتك، فإن أردت أن ترقي نفسك فأعمل عقلك في المادة المخلوقة لله، واستنبط منها على قدر إمكاناتك، لكن لا تشغل بالك بأمرين لا جدوى من التفكير فيهما، هذان الأمران هما خلق السماوات والأرض وخلق الناس لأن الله تعالى يقول:

مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. فخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان مسألة لم يشهدها أحد منكم، ولم يكن مع الله سبحانه معاون يخبركم بما حدث، لكن احذروا سيأتي في المستقبل مضلون يضلونكم في هذه المسألة، يقولون لكم - كما يقول المضلون الآن - إن السماوات والأرض كانتا قطعة واحدة ملتهبة، وحدث لها كذا وكذا، أو أن الإنسان أصله الأول قرد تطور إلى إنسان، احذروا هؤلاء، ولا تأخذوا معلوماتكم إلا ممن شهدها ويعلمها، وهو الحق سبحانه وتعالى. لكن الحق سبحانه خلق العقل آلة للتفكير، وجعل له منافذ يصل من خلالها إلى الحقيقة، والاستدلال بما رآه على ما غاب عنه، فعلى العقل أن يتأمل ما يراه ويستدل به على ما لا يراه. نحن لم نشهد عملية الخلق، لكن شهدنا عملية الموت، والموت نقض للخلق، كما أن الهدم نقض للبناء. فهذه قضية فلسفية للعقل فيها دور، فأنت حين تريد بناء عمارة مثلا من عشرة أدوار تبدأ ببناء الدور الأول، لكن إن أردت هدمها تبدأ بالدور العاشر، فالهدم على عكس البناء، كذلك الموت نقيض الحياة. فالذي لم نشاهده من عملية الخلق أخبرنا الله به في كتابه، فقال: خلقتكم من تراب صار طينا، ثم صار الطين حمأ مسنونا، وصار الحمأ المسنون صلصالا كالفخار، تشكل على صورة الإنسان، ثم نفخ فيه الله الروح فدبت فيه الحياة. ونحن شاهدنا الموت ورأيناه يأتي على عكس عملية الخلق، فأول شيء في الموت أن تفارق الروح الجسد، فيتصلب حتى يكون كالفخار، ثم يرم، وتتغير رائحته كأنها الحمأ المسنون، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ليعود إلى تراب وفتات يختلط بتراب الأرض، ويعود إلى أمه التي جاء منها. إذن: خذ مما شاهدت دليلا على صدق ما أخبرك الله به مما لم تشاهده. الحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن الخلق تكلم عن مرحلتين: الأولى: خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام من طين، ولكى يتم التكاثر لعمارة الأرض كانت المرحلة الثانية بأن خلق له زوجه، فقال:

الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها..

[الأعراف: 189]. والظن يتسع في هذه المسألة، فيصح أنه سبحانه أخذ قطعة من آدم وخلق منها حواء، ويصح أن تكون هذه القطعة كذلك كانت من الطين، لكن اكتفى بالتشريع الأول للرجل، ومن آدم وحواء أنشأ النسل، وتم الاستخلاف في الأرض. ولكي نخرج من المتاهة في هذه المسألة نقول: قوله تعالى

وخلق منها زوجها

[النساء: 1] يعني: من جنسها، من جنس خلقها، كما قال سبحانه:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم

[التوبة: 128] يعنى: من جنسكم. لكن، أيخلق الله هذا الخلق، ويستخلف خليفته في الأرض، ثم يتركه دون أن يمده بالمنهج الذي حكم حركته حياته؟ لا، لا بد أن ينزل له المنهج لأن معنى الخلافة تقتضي أن يوجد هذا المنهج. والحق سبحانه حين يملك خليفته أشياء تأتمر بأمره ربما غره ذلك الملك فقال له: اذكر أنك لست أصيلا، وأنك خليفة، وطالما تتذكر أنك خليفة فلن تطغى، إنما الذي يطغيك أن تظن أنك أصيل في الكون، والأصيل في الكون هو الذي يحفظ ما وهب له، هو الذي لا يمرض ولا يموت، ولا يوجد معه من هو أقوى منه. إذن: تذكر أنك مستخلف، وما دمت مستخلفا فعليك أن تنفذ أوامر من استخلفك. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الخلق الأول من تراب وخلق الزوجة، يحدثنا عن الخلق العام الذي سيأتي منه البشر جميعا بعد آدم وحواء، وبالتزاوج يتم الخلق عن طريق النطفة، فيقول سبحانه ﴿ ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا ﴾ [فاطر: 11]. وفي موضع آخر فصل مراحل النطفة، فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨١٥