والمتأمل في حادث الهجرة يجد أنها خطة محكمة تراعي كل جوانب الموقف، كأن الله تعالى يريد أن يعلمنا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نهمل الأسباب، وألا نتصادم مع الواقع ما دمنا قادرين على ذلك. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهي بلده، وأحب البلاد إلى قلبه قال:
" اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك ".
لذلك إن كانت مكة محبوبة لرسول الله، فالمدينة محبوبة لله لذلك بعد أن خرج رسول الله من مكة وقارب المدينة حن قلبه إلى مكة، فطمأنه ربه بهذه الآية: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد.. ﴾ [القصص: 85]. فالذي فرض عليك مشقة التكاليف، وحملك مشاق الدعوة والإقناع بها، وتنفيذ أحكامها، هو الذي سيردك إلى بلدك رد نصر، ورد فتح، وما أشبه رد رسول الله إلى بلده برد موسى عليه السلام إلى أمه في قوله تعالى لأم موسى:
إنا رآدوه إليك..
[القصص: 7] ليس ردا عاديا، إنما
وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. إذن: سيرد إليك ولدك، لكن سيرد رسولا منتصرا. وكما صدق الله في رد موسى يصدق في رد محمد. ومعنى ﴿ معاد.. ﴾ [القصص: 85] ليس هو الموعد كما يظن البعض، إنما يراد به المكان الذي تعود إليه بعد أن تفارقه، فالمعنى: سنردك إلى المكان الذي تحن إليه، ويتعلق به قلبك. أو نردك إلى معاد أي: إلينا، كما قال تعالى:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77] ولا مانع من إرادة المعنيين معا. ثم يقول سبحانه: ﴿ قل ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ﴾ [القصص: 85] الحق تبارك وتعالى يعلم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الجدل العفيف، لا الجدل العنيف، يعلمه كيف يرد على ما قالوا عن الذي يؤمن به صبأ فلان يعني: خرج عن دين آبائه وهم يعتقدون أنه الحق، فكأن الذي يؤمن في نظرهم خرج من الحق إلى الباطل. إذن: فهذه عقول تحتاج إلى سياسة وجدل، كما قال سبحانه:
وجادلهم بالتي هي أحسن..
[النحل: 125] لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عنادا ولجاجة، أما الجدل العفيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك لذلك يرد رسول الله بقوله: ﴿ قل ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ﴾ [القصص: 85] أي: جاء بالهدى من عند الله وهو النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ ومن هو في ضلال مبين ﴾ [القصص: 85]. ثم يعطي الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلا من واقع حياته ليطمئن على أنه مؤيد من ربه، وأنه سبحانه سيفي له بما وعد، ولن يتخلى عنه، وكيف يختاره للرسالة، ثم يتخلى عنه؟