تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.7

عجيب أمر فرعون، فبعد أن أمر بقتل الأولاد من بني إسرائيل يأتيه في البحر تابوت به طفل رضيع، فلا يخطر على باله أن أهله ألقوه في البحر لينجو من فرعون، فكيف فاتته هذه المسألة وهو إله؟ لم يعرفها بألوهيته، ولا عرفها حتى بذكائه وفطنته. وإذا كان الكهنة أخبروه بأن ذهاب ملكه على يد وليد من هؤلاء الأولاد، وإذا كانت هذه النبوءة صحيحة فلا بد أن الولد سينجو من القتل ويكبر، ويقضي على ملك فرعون، وما دام الأمر كذلك فسوف يقتل فرعون الأولاد غير الذي سيكون ذهاب ملكه على يديه. وتشاء إرادة الله أن يتربى موسى في قصر فرعون، وأن تأتي إليه أمه السيدة الفقيرة لتعيش معه عيشة الترف والثراء، ويصير موسى بقدرة الله قرة عين للملكة، فانظر إلى هذا التغفيل، تغفيل عقل وطمس على بصيرة فرعون الذي ادعى الألوهية. وبذلك نفهم قول الله تعالى:

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..

[الأنفال: 24] فقلبه يغطي على بصيرته ويعميها. قوله تعالى لأم موسى: ﴿ أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم.. ﴾ [القصص: 7] فمن من النساء تقبل إن خافت على ولدها أن تلقيه في اليم؟ من ترضى أن تنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان. ثم يهيىء الحق سبحانه كذلك امرأة فرعون ليتم هذا التدبير الإلهي لموسى فتقول

قرة عين لي ولك..

[القصص: 9]. فيرد عليها فرعون: بل لك أنت وحدك، وكأنه يستشعر ما سيحدث، ولكن إرادة الله لا بد نافذة ولا بد أن يأخذ القدر مجراه لا يمنعه شيء لأن الله تعالى إذا أراد شيئا فلا راد لإرادته. فمع ما علمه فرعون من أمر الرؤيا أو النبوءة ربي الوليد في بيته، ولا يخلو الأمر أيضا من سيطرة المرأة على الرجل في مثل هذا الموقف. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما قرئت هذه الآية قال:

" والذي يحلف به، لو قال فرعون كما قالت امرأته - قرة عين لي ولك - لهداه الله كما هداها "

إنما رد الخير الذي ساقه الله إليه لذلك أسلمت زوجته وماتت على الإيمان. وهي التي قالت:

رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين

[التحريم: 11] أما هو فمات على كفره شر ميتة. وسبق أن تكلمنا في وحي الله لأم موسى ﴿ وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. ﴾ [القصص: 7] وقلنا: إن الوحي في عموم اللغة: إعلام بطريق خفي دون أن تبحث عن الموحي، أو الموحى إليه، أو الموحى به.

أما الوحي الشرعي فإعلام من الله تعالى لرسوله بمنهج لخلقه. فالله تعالى يوحي للملائكة:

إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا..

[الأنفال: 12]. ويوحي إلى الرسل:

إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب..

[النساء: 163]. ويوحي للمؤمنين الصادقين في خدمة رسول:

وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي..

[المائدة: 111]. يوحي إلى النحل، بل وإلى الجماد:

إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها

[الزلزلة: 1-5]. وقد يكون الإعلام والوحي من الشيطان:

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم..

[الأنعام: 121]. ويكون من الضالين:

يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا..

[الأنعام: 112]. فالوحي إلى أم موسى كان وحيا من المرتبة الرابعة بطريق النفث في الروع، أو الإلهام، أو برؤيا، أو بملك يكلمها، هذا كله يصح. وهذا الوحي من الله، وموضوعه ﴿ أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم.. ﴾ [القصص: 7] وهذا أمر ﴿ ولا تخافي ولا تحزني.. ﴾ [القصص: 7] نهى ﴿ إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ [القصص: 7] وهذه بشارة في خبرين. فهذه الآية إذن جمعت لأم موسى أمرين، ونهيين، وبشارتين في إيجاز بليغ معجز. ومعنى ﴿ أرضعيه.. ﴾ [القصص: 7] يعني: مدة أمانك عليه ﴿ فإذا خفت عليه.. ﴾ [القصص: 7] ولم يقل من أي شيء ليدل على أي مخوف تخشاه على وليدها ﴿ فألقيه في اليم.. ﴾ [القصص: 7] ويراعي الحق سبحانه مشاعر الأم وقلقها على ولدها، خاصة إذا ألقته في البحر فيطمئنها ﴿ ولا تخافي.. ﴾ [القصص: 7] لأن الله سييسر له تربية خيرا من تربيتك في ظل بيت الغنى والملك. ﴿ ولا تحزني.. ﴾ [القصص: 7] أي: لفراقه لأن هذا الفراق سيعوضك، ويعوض الدنيا كلها خيرا، حين يقضي على هذا الطاغية، ويأتي بمنهج الله الذي يحكم خلق الله في الأرض. ثم اعلمي بعد هذا أن الله راده إليك، بل وجاعله من المرسلين، إذن: أنا الذي أحفظه، ليس من أجلك فحسب، إنما أيضا لأن له مهمة عندي. يقولون: ظلت أم موسى ترضعه في بيتها طالما كانت آمنة عليه من أعين فرعون، إلى أن جاءها أحد العسس يفتش البيت فخافت على الولد فلفته في خرقة ودسته في فجوة بجوارها، كانت هذه الفجوة هي الفرن، ألقته فيه وهو مسجور دون أن تشعر - يعني من شدة خوفها عليه - حتى إذا ما انصرف العسس ذهبت إليه، فإذا به سالما لم يصبه سوء. وكأن الله تعالى يريد لها أن تطمئن على حفظ الله له، وأن وعده الحق. وقد وردت مسألة وحي الله لأم موسى في كتاب الله مرتين مما دعا السطحيين من المستشرقين إلى اتهام القرآن بالتكرار الذي لا فائدة منه، وذكروا قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٤١