تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.80

فما كان الحق - تبارك وتعالى - ليترك أهل الدنيا وأهل الباطل يشككون الناس في قدر الله، ويتمردون على قسمته حتى الكفر والزندقة، والله سبحانه لا يخلي الناس من أهل الحق الذين يعدلون ميزان حركة الحياة:

إن الذي جعل الحقيقة علقما

لم يخل من أهل الحقيقة جيلا

وما دام أن الله تعالى قال في الجماعة الأولى:

قال الذين يريدون الحياة الدنيا..

[القصص: 79] فهم لا يرون غيرها، ولا يطمحون لأبعد منها، وقال في الأخرى: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم.. ﴾ [القصص: 80] فهذا يعني: أن أهل الدنيا سطحيون، لم يكن عندهم علم ينفعهم، لذلك وقعوا في هذا المأزق الذي نجا منه أهل العلم، حينما أجروا مقارنة بين الطمع في الدنيا والطمع في الآخرة. كما قلنا سابقا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك: لا تقل من آدم إلى قيام الساعة فعمرك أنت فيها عمر موقوت، لا بد أن يفنى. إذن: العاقل من يختار الباقية على الفانية، لذلك أهل الدنيا قالوا

يليت لنا مثل مآ أوتي قارون..

[القصص: 79]. أما أهل العلم والمعرفة فردوا عليهم: ﴿ ويلكم.. ﴾ [القصص: 80] أي: الويل لكم بسبب هذا التفكير السطحي، وتمني ما عند قارون الويل والهلاك لكم بما حسدتم الناس، وبما حقدتم عليهم وباعتراضكم على أقدار الله في خلقه. فأنتم تستحقون الهلاك بهذا لذلك قال الله عنهم في موضع آخر:

ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..

[الروم: 6-7]. يعني: لا يعرفون حقيقة الأشياء، ولو عرفوا ما قالوا هذا الكلام، وما تمنوا هذه الأمنية. ثم يلفت أهل العلم والمعرفة أنظار أهل الدنيا، ويوجهونهم الوجهة الصحيحة: ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا.. ﴾ [القصص: 80] أي: ثواب الله خير من الدنيا، ومما عند قارون، وكيف تتمنون ما عنده، وقد شجبتم تصرفاته، ونهيتموه عنها، ولم ترضوها؟ ومعنى: ﴿ ولا يلقاهآ إلا الصابرون ﴾ [القصص: 80] أي: يلقى الإيمان والعمل الصالح والهداية، ليقبل على عمل الآخرة، ويفضلها عن الدنيا، أي: يلقى قضية العلم بالحقائق، ولا تخدعه ظواهر الأشياء. هذه لا يجدها ولا يوفق إليها إلا الصابرون، كما قال سبحانه في آية أخرى:

وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم

[فصلت: 35]. والصبر: احتمال ما يؤذي في الظاهر، لكنه ينعم في الباطن. وله مراحل، فالله تعالى كلفنا بطاعات فيها أوامر، وكلفنا أن نبتعد عن معاص، وفيها نواه، وأنزل علينا أقدارا قد لا تستطيبها نفوسنا، فهذه مراحل ثلاث. فالطاعات ثقيلة وشاقة على النفس لذلك يقول تعالى عن الصلاة:

وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

[البقرة: 45] فهناك دواع شتى تصرفك عن الصلاة، وتحاول أن تقعدك عنها، فتجد عند قيامك للصلاة كسلا وتثاقلا.

واقرأ قوله تعالى عن الصلاة مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:

وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها..

[طه: 132] وهذا دليل على أنها صعبة وشاقة على النفس، لكن إذا تعودت عليها، وألفتها النفس صارت أحب الأشياء إليك، وأخفها على نفسك، بل وقرة عين لك. والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدرس في قوله لمؤذنه بلال:

" أرحنا بها يا بلال "

لا أرحنا منها تلك المقالة التي يقولها لسان حالنا الآن. ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم:

" وجعلت قرة عيني في الصلاة "

وخص الصلاة بالذات من بين سائر العبادات لأنها تتكرر في اليوم خمس مرات، فهي ملازمة للمؤمن يعايشها على مدى يومه وليلته بخلاف الأركان الأخرى، فمنها ما هو مرة واحدة في العام، أو مرة واحدة في العمر كله. هذا هو النوع الأول من الصبر، وهو الصبر على مشقة الطاعة. الثاني: الصبر عن شهوة المعصية، ولا تنس أنه أول صبر تصادفه في حياتك أن تصبر على نفسك لذلك يقول الشاعر:

إذا رمت أن تستقرض المال منفقا

على شهوات النفس في زمن العسر

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٠٣