تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النبأ: 31-36]. فحسابا هنا لا تعني أن الجزاء بحساب على قدر العمل، إنما تعني كافيهم في كل ناحية من نواحي الخير، ومنه قولنا: حسبي الله يعني: كافيني. وفي المقابل يقول سبحانه في السيئة:

جزآء وفاقا

[النبأ: 26] أي: على قدرها موافقا لها. إذن: فربنا - عز وجل - يعاملنا بالفضل لا بالعدل ليغري الناس بفعل الحسنة، وأنت حين تفعل الحسنة فأنت واحد تقدم حسنتك إلى كل الناس، وفي المقابل يعود عليك أثر حسنات الجماهير كلها، فينالك من كل واحد منهم حسنة، وكأنه أوكازيون حسنات يعود عليك أنت. ثم يقول الحق سبحانه لنبيه: ﴿ إن الذي فرض عليك... ﴾.

28.85

معنى فرض: ألزم وأوجب وحتم. وأصل الفرض الحز والقطع، كما تقطع شيئا بالسكين مثلا تسمى فرضا لأنها خرجت عن طبيعة تكوينها، كذلك القرآن يخرج النفس عن طبيعة مشتهاها، ويقطع عليها مشيئتها، ويردها إلى مشيئة الله لذلك يقول سبحانه في أول سورة النور:

سورة أنزلناها وفرضناها..

[النور: 1]. يعني: حتمناها وألزمنا بها، والإلزام يعني رد النفس إلى ما يريده خالقها منها، بصرف النظر عما تشتهيه هي، فقد يأمرها بما تكره، وينهاها عما تحب. إذن: يقطع سيال النفس لأنها عادة ما تكون أمارة بالسوء، تنظر إلى العاجل، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حسابا. فالقرآن منهج الله بافعل ولا تفعل، هو الذي يكبح جماح النفس، ويحدد لها مجال مشيئتها لأن الخالق - عز وجل - خلق النفس، وجعل مشيئتها صالحة لعمل الخير، ولعمل الشر. وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا: إن الخلق جميعا عبيد الله، المؤمن منهم والكافر، وإن تأبى الكافر على الله في الإيمان، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى، كالمرض والموت وغيره، ثم أعطانا الله تعالى مجالا للاختيار، ليثيب من يثيب بحق، ويعذب من يعذب بحق. والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا يستطيع منها فكاكا، وليس له فيها تصرف، فيتنازل عن مراده، وعن اختياره لمراد ربه واختيار ربه، ويرضى أن يكون مسيرا في كل شيء، وهنا يتحولون من عبيد إلى عباد. فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم، وبهذا المنطق يكون الجميع في الآخرة عبادا لأنه لا اختيار لهم، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر، يوم يقول سبحانه:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. وسمي إنزال القرآن فرضا لما في القرآن من تكاليف، وهي عادة ما تكون شاقة على النفس، ألا ترى قوله تعالى عن الصلاة، وهي أم العبادات:

وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

[البقرة: 45]. فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال:

" أرحنا بها يا بلال "

ويقول:

" وجعلت قرة عيني في الصلاة "

لأنه صلى الله عليه وسلم أحبها وعشقها، حتى صارت قرة عينه، ومنتهى راحته. إذن: أول ما يفرض التكليف لا بد أن يكون شاقا لذلك يحتاج إلى صلاة إيمان وجلد يقين، بحيث تثق في أن العمل الشاق عليك الآن سيجلب لك الخير والسعادة الباقية الدائمة في الآخرة. ويقول تعالى عن القتال:

كتب عليكم القتال وهو كره لكم..

[البقرة: 216] فلا شك أنه مكروه للنفس، لكن إن استحضرت الجزاء، وعرفت أنه: إما النصر، وإما الشهادة، فإنه يحلو لك حتى تعشقه، وتبادر أنت إليه، كالصحابي في بدر بعد أن سمع ما للشهيد من الأجر وكان في فمه تمرة يمضغها فقال: " أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل فأقتل "؟ ثم ألقى التمرة وأسرع إلى ساحة القتال.

لذلك الحق سبحانه يضخم الجزاءات في نفس المؤمن ليقبل على العمل بحب وشهوة. ومن هنا يقول بعض العارفين الذين عشقوا الخير حتى أصبح شهوة نفس عندهم: أخشى ألا يثيبني الله على الطاعة، لماذا؟ يقول: لأنني أصبحت أشتهيها، أي: كما يشتهي أهل المعصية المعصية. وحين يصل الإيمان بصاحبه إلى درجة أنه يعشق الطاعة، فقد أصبح ربانيا يثق فيما عند الله من الجزاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٠٨