28.53
هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب إذا يتلى عليهم القرآن قالوا: آمنا به، وشهدوا له أنه الحق من عند الله، وأنهم لم يزدادوا بسماع آياته إيمانا، فهم كانوا من قبله مسلمين، فقد آمنوا أولا بكتبهم، وآمنوا كذلك بالقرآن.
28.54
الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يعلمنا أن الذي يريد دينا حقا لا بد أن ينظر إلى دين يأتي بعده بمعجزة، لأنه إذا كان قد آمن حين جاء عيسى بأنه جاء بعد موسى - عليه السلام - فلا يستبعد عقلا أن يجيء بعد عيسى رسول، فوجب عليه أن يبحث في الدين الجديد، وأن ينظر أدلة تبرر له إيمانه بهذا الدين. هذا إذا كان الدين الأول لم يتبدل، فإذا كان الدين الأول قد تبدل، فالمسألة واضحة لأن التبديل يحدث فجوة عند من يريد دينا
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة..
[الأعراف: 157]. آمنوا به لأنهم وجدوا نعته، ووجدوا العقائد التي لا تتغير موجودة في كتابه، وهو أمي لم يعرف شيئا من هذا، فأخذوا من أميته دليلا على صدقه. فقوله تعالى: ﴿ أولئك.. ﴾ [القصص: 54] أي: أهل الكتاب الذين يؤمنون بالقرآن وهم خاشعون لله، والذين سبق وصفهم ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.. ﴾ [القصص: 54] أجر لإيمانهم برسلهم، وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. لذلك جاء في الحديث الشريف:
" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه مثل آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة - جارية - فأدبها فأحسن تأديبها، فأعتقها بعد ذلك، ثم تزوجها ".
وهؤلاء الذين آمنوا برسلهم، ثم آمنوا برسول الله استحقوا هذه المنزلة، ونالوا هذين الأجرين لأنهم تعرضوا للإيذاء ممن لم يؤمن في الإيمان الأول، ثم تعرضوا للإيذاء في الإيمان الثاني، فصبروا على الإيذاءين، وهذه هي حيثية ﴿ يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا... ﴾ [القصص: 54]. وكما أن الله تعالى يؤتي أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد أجرهم مرتين، كذلك يؤتي بعض المسلمين أجرهم مرتين، ومنهم - كما بين سيدنا رسول الله:
" عبد مملوك أدى حق الله، وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة... ".
ولا يحرم هذا الأجر الدين الذي باشر الإسلام، وأتى قبله، وهو المسيحية، فلهم ذلك أيضا لذلك يقول تعالى:
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25] وأهم هذه المنافع
وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب..
[الحديد: 25] وذكر الحديد، لأن منه سيصنع سلاح الحرب. إذن: أنزل الله القرآن لمهمة، وأنزل الحديد لمهمة أخرى لذلك يقول الشاعر:
فما هو إلا الوحي أو حد مرهف
يقيم ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل
وذاك دواء الداء من كل جاهل
ولي أنا شخصيا ذكريات ومواقف مع هذه الآية { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.
. } [القصص: 54] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحيين، وكان من بينهم رجل ذو عقل وفكر، كان دائما يواسي المسلمين، ويحضر مآتمهم ويستمع للقرآن، وكانت تعلق بذهنه بعض الآيات، فجاءني مرة يقول: سمعت المقرىء يقرأ:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107]. فألسنا من العالمين؟ قلت له: نعم أرسل محمد رحمة للعالمين جميعا، فمن آمن به نالته رحمته، ومن لم يؤمن به حرم منها، ومع ذلك لو نظرت في القرآن نظرة إمعان وتبصر تجد أنه رحم غير المؤمن، قال: كيف؟ فقرأت له قوله تعالى:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس..
[النساء: 105] ولم يقل بين المؤمنين
بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105]. فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أن ينصف المظلوم منهم، وأن يرد عليه حقه، ثم
واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما