" وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فلما سألته السيدة عائشة: ألم يغفر لك ربك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبدا شكورا "؟ "
ومعنى: ﴿ لرآدك إلى معاد.. ﴾ [القصص: 85] يعني: يجازيك أفضل الجزاء، ونزلت هذه الآية لما اضطهد أهل مكة رسول الله وآذوه، حتى اضطروه للذهاب إلى الطائف ليبحث فيها عن نصير، لكنهم لم يكونوا أقل قسوة من أهل مكة، فعز على رسول الله النصير فيها، وعاد منكسرا حزينا لم يجد من يدخل في جواره، إلى أن أجاره مطعم بن عدي. وتأمل حين يكون رسول الله بجلالة قدره لا يجد من يناصره، أو يدخله في جواره، أما الصحابة فلم تكن لهم شوكة بعد، ولا قوة لحماية رسول الله، وفي هذه الفترة لاقوا المشاق في سبيل الدعوة، فحاصرهم الكفار في شعب أبي طالب، وفرضوا عليهم المقاطعة التامة حتى عزلوهم عن الناس، ومنعوا عنهم الطعام والشراب، والبيع والشراء، حتى الزواج، وحتى اضطروا إلى أكل المخلفات وأوراق الشجر. لذلك أمرهم الله بالهجرة، والهجرة تكون إلى دار أمن، أو إلى دار إيمان، إلى دار أمن كالهجرة إلى الحبشة حيث قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا حيثية الهجرة إليها:
" إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد "
يعني: النجاشي ملك الحبشة، وفعلا صدق فيه قول رسول الله، فلما أرسلت قريش في إثرهم من يكلم النجاشي في طلبهم وإعادتهم إلى مكة، رفض أن يسلمهم، وأن يمكن قريشا منهم، مع أن هدايا قريش كانت عظيمة، والإغراء كان كبيرا. وهذا يدل على عظمة رسول الله، وعلى فكره الواسع، وعلى دراسة الخريطة من حوله، ومعرفة من يصلح لهجرة صحابته إليه، فاختياره ملك الحبشة لا يأتي إلا إما بإلهام من الله، أو بذكاء كبير، وهو رجل أمي في أمة أمية، ولو لم يذهب وفد قريش في طلب المهاجرين ما ظهر لنا الدليل على صدق مقولة رسول الله. ونتيجة " لا يظلم عنده أحد " فقد شرفه الله بالإسلام فأسلم ووكله رسول الله في أن يزوجه من السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت رضي الله عنها من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة مع زوجها الذي تنصر هناك، وبقيت هي على دينها وتمسكت بعقيدتها.
وفي هذا دليل أولا: على مدى ما كان يلاقيه المؤمنون من إيذاء الكافرين، ثانيا: دليل على الطاعة الواعية للزوج، فقد آثرت الخروج مع زوجها لا عشقا له، ولا هياما به، إنما فرارا معه بدينها لذلك لما تنصر لم تتردد في تركه لذلك طلبها رسول الله لنفسه، ثم لما مات النجاشي صلى عليه رسول الله وترحم عليه. هذه هي هجرة الإيمان إلى دار الأمن. ثم كانت الهجرة بعد ذلك إلى دار الإيمان، إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، وبعد أن وجد رسول الله أنصارا يتحملون معه أعباء الدعوة، وقد ضرب الأنصار في المدينة أروع مثل في التضحية التي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية. ذلك أن الرجل أغير ما يكون على زوجته، فلا يضن على غيره بما يملك، فتعطيني سيارتك أركبها، أو بيتك أسكن فيه، أو ثوبك ألبسه، وأتقمش به، أما الزوجة فتظل مصونة لا يجرؤ أحد على النظر إليها. لكن كان للأنصار في هذه المسألة نظرة أخرى حيث أشركوا إخوانهم المهاجرين في كل شيء حتى في زوجاتهم، فقد راعوا فيهم خروجهم من أهلهم وبلادهم، وراعوا غربتهم وما لهم من إربة وحاجة للنساء. فكان الواحد منهم يقول لأخيه: انظر إلى زوجاتي، فأيتهن أعجبتك أطلقها، وتتزوجها أنت، هذه تضحية لا نجد لها مثيلا في تاريخ الناس حتى عند الكفرة. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فخرج خفية في حين خرج عمر مثلا جهرا وعلانية، حتى إنه وقف ينادي في أهل مكة بأعلى صوته يتحدى أهلها عند خروجه: من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمل زوجته فليلقني خلف هذا الوادي. أما رسول الله فقد خرج خفية، وهذه المسألة يقف عندها البعض أو تخفى عليه الحكمة منها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما أسوة للضعيف، أما القوي فلا يحتاج إلى حماية أحد، ولا عليه إن خرج علانية لذلك لا يستحي أحد أن يتخفى كما تخفى رسول الله. ثم إنك حين تتأمل: نعم خرج رسول الله خفية لكنها خفية التحدي، فقد خرج من بين فتيانهم المتربصين به، وعفر وجوههم بالتراب، وهو يقول: " شاهت الوجوه ". ومع ذلك لم يمنعه تأييد الله له أن يأخذ بأسباب النجاة، فخالف الطريق لأن كفار مكة كانوا يعرفون أن وجهته المدينة لما عقد بيعة العقبة مع الأنصار لذلك ترصدوا له على طريقها، وأرسلوا العيون للبحث عنه، وجعلوا جعلا لمن يأتيهم به صلى الله عليه وسلم.