28.56
هذا خطاب لسيدنا رسول الله، خاص بدعوته لعمه أبي طالب الذي ظل على دين قومه، ولكنه كان يحمي رسول الله حماية عصبية قربى وأهل، لا محبة في الإسلام، ولله تعالى حكمة في أن يظل أبو طالب على الكفر لأنه بذلك كسب قريشا ونال احترامهم، حيث أعجبهم عدم إيمانه بمحمد وعدم مجاملته له، وأعجبهم أن يظل على دين الآباء، فاحترموا حمايته لابن أخيه، وهذا منع عن رسول الله إيذاءهم، وحمى الدعوة من كثير من الاعتداءات عليها. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يرد له هذا الجميل، ورد رسول الله للجميل لا يكون بعرض من الدنيا، إنما بشيء باق خالد، فلما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
" يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة "
فقال: يا ابن أخي، لولا أن قريشا تعيرني بهذه الواقعة، ويقولون ما آمن إلا جزعا من الموت لأقررت عينك بها. لكن يروى أنه بعدما انتقل أبو طالب، جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، إن الكلمة التي طلبت من عمك أن يقولها قالها قبل أن يموت وأنا أشهد بها. ونلاحظ هنا دقة الأداء من العباس، حيث لم يقل: إن هذه الكلمة لا إله إلا الله، بل سماها الكلمة لماذا؟ لأنه لم يكن قد أسلم بعد. وسبق أن تكلمنا في معنى الهداية ﴿ إنك لا تهدي من أحببت.. ﴾ [القصص: 56] وقلنا: إنها تأتي بأحد معنيين: بمعنى الإرشاد والدلالة، وبمعنى المعونة لمن يؤمن بالدلالة، ومن ذلك قوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17] أي: سمعوا الدلالة وأطاعوها، فزادهم الله هداية أخرى، هي هداية الإيمان والمعونة. يقول تعالى في هذه المسألة:
وأما ثمود فهديناهم
[فصلت: 17] يعني: دللناهم
فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17] لذلك حرموا هداية المعونة. إذن: الهداية المنفية عن سيدنا رسول الله ﴿ إنك لا تهدي من أحببت.. ﴾ [القصص: 56] هي هداية المعونة والتوفيق للإيمان لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع هداية الدلالة والإرشاد، وكان مما قال:
يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم
[الصف: 10]. فهداية الدلالة صدرت أولا عن الله تعالى، ثم بالبلاغ من رسوله صلى الله عليه وسلم ثانيا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك... ﴾.