وما دامت الشياطين سلسلت، فليس لها حركة مع الإنس لأن الله تعالى يعلم منا أنا نعلق كل معاصينا على الشيطان، فكأنه سبحانه يقول: ها هي الشياطين صفدت وسلسلت، فمن أغواكم وزين لكم حال سلسلتها؟ إذن: هي نفسك التي توسوس لك لذلك نقول: كل معصية تقع في رمضان ليس للشيطان فيها نصيب، إنما هي شهوة النفس. وسبق أن بينا كيف نفرق بين المعصية متى تكون من الشيطان؟ ومتى تكون شهوة نفس؟ إن كانت المعصية توقفك عندها لا تتزحزح عنها إلى غيرها، فاعلم أنها من نفسك، أما إن عزت عليك معصية ففكرت في غيرها، فهي من الشيطان لأنه والعياذ بالله يريدك عاصيا على أي وجه، وبأي طريقة فينقلك إلى معصية أخرى يستطيع أن يوقعك فيها، على خلاف شهوة النفس، فهي تريد شيئا بذاته لا تريد غيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقيل ادعوا شركآءكم... ﴾.
28.64
وسبق أن ناداهم
أين شركآئي الذين كنتم تزعمون
[القصص: 62] أي: في زعمكم لأنه سبحانه ليس له شركاء، وهنا يقول لهم ﴿ ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ﴾ [القصص: 64] ولم يقل شركائي، مع أنهم اتخذوهم شركاء لله. فمعنى ﴿ شركآءكم.. ﴾ [القصص: 64] أفي دعوى الألوهية؟ لا، لأنهم تابعون لهم، إذن: فما معنى ﴿ شركآءكم.. ﴾ [القصص: 64]؟ قالوا: الإضافة تأتي بمعان ثلاثة: إما بمعنى من مثل: أردب قمح أي: من قمح، أو بمعنى في مثل: مكر الليل أي: مكر في الليل، أو: بمعنى لام الملكية مثل: قلم زيد أي: قلم لزيد. فالمعنى هنا ﴿ شركآءكم.. ﴾ [القصص: 64] أي: من جنسكم أو فيكم يعني: لا يتميز عنكم بشيء، والإله لا بد أن يكون من جنس أعلى، فإن كان من جنسكم، فهو مساو لكم، لا يصلح أن تتخذوه إلها. ومعنى ﴿ ادعوا شركآءكم.. ﴾ [القصص: 64] يعني: نادوهم لينصروكم، ويشفعوا لكم، كما قلتم:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله..
[يونس: 18]. وقلتم:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3]. إذن: فنادوهم ليقربوكم من الله، وليشفعوا لكم، والذي يقوم بهذه المهمة لا بد أن يكون له منزلة عند الله يضمنها، وهل يضمن هؤلاء الشركاء منزلة عند الله؟ كيف وهم لا يضمنونها لأنفسهم؟ ﴿ فدعوهم.. ﴾ [القصص: 64] يا شركاءنا، يا من قلتم لنا كذا وكذا أدركونا ﴿ فلم يستجيبوا لهم.. ﴾ [القصص: 64] لأنهم مشغولون بأنفسهم ﴿ ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ﴾ [القصص: 64] يعني: لو كانوا يهتدون بهدي الله، وهدي رسوله، ويرون العذاب الذي أنذرهم به حقيقة وواقعا لا يتخلفون عنه لما حدث لهم هذا، ولما واجهوا هذه العاقبة. أو: أنهم لما رأوا العذاب حقيقة في الآخرة تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويوم يناديهم فيقول... ﴾.