تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.76

فلم يتكلم عن قارون وجزائه في الآخرة، إنما يجعله مثلا وعبرة واضحة في الدنيا لكل من لم يؤمن بيوم القيامة لعله يرتدع. والنبي صلى الله عليه وسلم اضطهده كفار قريش، ووقفوا في وجه دعوته، وآذوا صحابته، حتى أصبحوا غير قادرين على حماية أنفسهم، ومع ذلك ينزل القرآن على رسول الله يقول:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. فيتعجب عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا؟ فنحن غير قادرين على حماية أنفسنا، فلما وقعت بدر وانهزم الكفار وقتلوا. قال عمر: نعم صدق الله

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. لذلك يقولون: لا يموت ظالم في الدنيا حتى ينتقم الله منه، ويرى فيه المظلوم يوما يشفي غليله، ولما مات ظلوم في الشام ولم ير الناس فيه ما يدل على انتقام الله منه تعجبوا وقال أحدهم: لا بد أن الله انتقم منه دون أن نشعر، فإن أفلت من عذاب الدنيا، فوراء هذه الدار دار أخرى يعاقب فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وعدل الله - عز وجل - يقتضي هذه المحاسبة. والحق - تبارك وتعالى - يجعل من قارون عبرة لكل من لا يؤمن بالآخرة ليخاف من عذاب الله، ويحذر عقابه، والعبرة هنا بمن؟ بقارون رأس من رؤوس القوم، وأغنى أغنيائهم، والفتوة فيهم، فحين يأخذه الله يكون في أخذه عبرة لمن دونه. وحدثونا أن صديقا لنا كان يعمل بجمرك الأسكندرية، فتجمع عليه بعض زملائه من الفتوات الذين يريدون فرض سيطرتهم على الآخرين، فما كان منه إلا أن أخذ كبيرهم، فألقاه في الأرض، وعندها تفرق الآخرون وانصرفوا عنه. ومن هذا المنطلق أخذ الله تعالى قارون، وهو الفتوة، ورمز الغنى والجاه بين قومه، فقال تعالى: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى.. ﴾ [القصص: 76] إذن: حينما نتأمل حياة موسى عليه السلام نجده قد مني بصناديد الكفر، فقد واجه فرعون الذي ادعى الألوهية، وواجه هامان، ثم موسى السامري الذي خانه في قومه في غيبته، فدعاهم إلى عبادة العجل. ومني من قومه بقارون، ومعنى: من قومه، إما لأنه كان من رحمه من بني إسرائيل، أو من قومه يعني: الذين يعيشون معه. والقرآن لم يتعرض لهذه المسألة بأكثر من هذا، لكن المفسرين يقولون: إنه ابن عمه. فهو: قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وللمؤرخين كلام في العداوة بين موسى وقارون، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أن يشد عضده بأخيه هارون، أجابه سبحانه

قال قد أوتيت سؤلك يموسى

[طه: 36] وليست هذه أول مرة بل

ولقد مننا عليك مرة أخرى

[طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون لأنه أفصح من موسى لسانا، وجعلهما شريكين في الرسالة، وخاطبهما معا

اذهبآ..

[طه: 43] ليؤكد أن الرسالة ليست من باطن موسى. وإن رأيت الخطاب في القرآن لموسى بمفرده، فاعلم أن هارون ملاحظ فيه، ومن ذلك لما دعا موسى على قوم فرعون، فقال:

ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم

[يونس: 88]. فالذي دعا موسى، ومع ذلك لما أجابه ربه قال:

قد أجيبت دعوتكما..

[يونس: 89] وهذا دليل على أن هارون لم يكن رسولا من باطن موسى، إنما من الحق سبحانه، وأيضا دليل على أن المؤمن على الدعاء كالداعي، فكان موسى يدعو وهارون يقول: آمين. ولما ذهب موسى لميقات ربه قال لأخيه

اخلفني في قومي..

[الأعراف: 142] وفي غيبة موسى حدثت مسألة العجل، وغضب موسى من أخيه هارون، فلما هدأت بينهما الأمور حدث تخصيص في رسالة كل منهما، فأعطى هارون الحبورة والحبر: هو العالم الذي يعد مرجعا، كما أعطي القربان أي: التقرب إلى الله. وعندها غضب قارون لأنه خرج من هذه المسألة صفر اليدين، وامتاز عنه أولاد عمومته بالرسالة والمنزلة، رغم ما كان عنده من أموال كثيرة. ثم إن موسى - عليه السلام - طلب من قارون زكاة ماله، دينار في كل ألف دينار، ودرهم في كل ألف درهم، فرفض قارون وامتنع، بل وألب الناس ضد موسى - عليه السلام. ثم دبر له فضيحة ليصرف الناس عنه، حيث أغرى امرأة بغيا فأعطاها طستا مليئا بالذهب، على أن تدعي على موسى وتتهمه، فجاء موسى عليه السلام ليخطب في الناس، ويبين لهم الأحكام فقال: من يسرق نقطع يده، ومن يزني نجلده إن كان غير محصن، ونرجمه إن كان محصنا، فقام له قارون وقال: فإن كنت أنت يا موسى؟ فقال: وإن كنت أنا. وهنا قامت المرأة البغي وقالت: هو راودني عن نفسي، فقال لها: والذي فلق البحر لتقولن الصدق فارتعدت المرأة، واعترفت بما دبره قارون، فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام. وبدأ قارون في البغي والطغيان حتى أخذه الله، وقال في حقه هذه الآيات: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم.. ﴾ [القصص: 76]. والبغي: تجاوز الحد في الظلم، خاصة وقد كان عنده من المال ما يعينه على الظلم، وما يسخر به الناس لخدمة أهدافه، وكأنه يمثل مركز قوة بين قومه، والبغي إما بالاستيلاء على حقوق الغير، أو باحتقارهم وازدرائهم، وإما بالبطر. ثم يذكر حيثية هذا البغي: ﴿ وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة.. ﴾ [القصص: 76]. كلمة مفاتح كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٩٧