تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعنده مفاتح الغيب..

[الأنعام: 59]. ولو قلنا: مفاتح جمع، فما مفردها؟ لا تقل مفتاح لأن مفتاح جمعها مفاتيح، أما مفاتح، فمفردها مفتح وهي آلة الفتح كالمفتاح، وهي على وزن مبرد فالمعنى: أن مفاتيح خزائنه لو حملتها عصبة تنوء بها، وهذه كناية عن كثرة أمواله، نقول: ناء به الحمل، أو ناء بالحمل، إذا ثقل عليه، ونحن لا نميز الخفيف من الثقيل بالعين أو اللمس أو الشم إنما لا بد من حمله للإحساس بوزنه.

وقلنا: إن هذه الحاسة هي حاسة العضل، فالحمل الثقيل يجهد العضلة، فتشعر بالثقل، على خلاف لو حملت شيئا خفيفا لا تكاد تشعر بوزنه لخفته، ولو حاولت أن تجمع أوزانا في حيز ضيق كحقيبة هاندباج فإن الثقل يفضحك لأنك تنوء به. والعصبة: هم القوم الذين يتعصبون لمبدأ من المبادئ بدون هوى بينهم، ومنه قول إخوة يوسف:

ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة..

[يوسف: 8]. إنها كلمة حق خرجت من أفواههم دون قصد منهم لأنهم فعلا كانوا قوة متعصبين بعضهم لبعض في مواجهة يوسف وأخيه، وكانا صغيرين لا قوة لهما ولا شوكة، وكانوا جميعا من أم واحدة، ويوسف وأخوه من أم أخرى، فطبيعي أن يميل قلب يعقوب عليه السلام مع الضعيف. وقالوا: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقد حددهم القرآن بقوله:

إني رأيت أحد عشر كوكبا..

[يوسف: 4] وهم إخوته ومنهم بنيامين

والشمس والقمر..

[يوسف: 4] أي: أباه وأمه. فمن هاتين الآيتين نستطيع تحديد العصبة. وبهذا التفكير الذي يقوم على ضم الآيات بعضها إلى بعض حل الإمام علي - رضي الله عنه - مسألة تعد معضلة عند البعض، حيث جاءه من يقول له: تزوجت امرأة وولدت بعد ستة أشهر، ومعلوم أن المرأة تلد لتسعة أشهر، فلا بد أنها حملت قبل أن تتزوج. فقال الإمام علي: أقل الحمل ستة أشهر، فقال السائل: ومن أين تأخذها يا أبا الحسن؟ قال: نأخذها من قوله تعالى:

وحمله وفصله ثلثون شهرا..

[الأحقاف: 15] وفي آية أخرى قال سبحانه:

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..

[البقرة: 233]. يعني: أربعة وعشرين شهرا، وبطرح الأربعة والعشرين شهرا من الثلاثين يكون الناتج ستة أشهر، هي أقل مدة للحمل. وهكذا تتكاتف آيات القرآن، ويكمل بعضها بعضا، ومن الخطأ أن نأخذ كل آية على حدة، ونفصلها عن غيرها في ذات الموضوع. ثم يقول سبحانه: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ﴾ [القصص: 76] والنهي هنا عن الفرح المحظور، فالفرح: انبساط النفس لأمر يسر الإنسان، وفرق بين أمر يسرك لأنه يمتعك، وأمر يسرك لأنه ينفعك، فالمتعة غير المنفعة. فمثلا، مريض السكر قد يأكل المواد السكرية لأنها تحدث له متعة، مع أنها مضرة بالنسبة له، إذن: فالفرح ينبغي أن يكون بالشيء النافع، لأن الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في النافع. فحينما يقولون له { لا تفرح.

. } [القصص: 76] أي: فرح المتعة، وإنما الفرح بالشيء النافع، ولو لم تكن فيه متعة كالذي يتناول الدواء المر الذي يعود عليه بالشفاء، لذلك يقول تعالى:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا..

[يونس: 58]. ويقول تعالى:

ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..

[الروم: 4-5] فسماه الله فرحا لأنه فرح بشيء نافع لأن انتصار الدعوة يعني أن مبدءك الذي آمنت به، وحاربت من أجله سيسيطر وسيعود عليك وعلى العالم بالنفع. ومن فرح المتعة المحظور ما حكاه القرآن:

فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله..

[التوبة: 81] هذا هو فرح المتعة لأنهم كارهون لرسول الله، رافضون للخروج معه، ويسرهم قعودهم، وتركه يخرج للقتال وحده. فقوله تعالى: ﴿ لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ﴾ [القصص: 76] أي: فرح المتعة الذي لا ينظر إلى مغبة الأشياء وعواقبها، فشارب الخمر يشربها لما لها من متعة مؤقتة، لكن يتبعها ضرر بالغ، ونسمع الآن من يقول عن الرقص مثلا إنه فن جميل وفن راق لأنه يجد فيه متعة ما، لكن شرط الفن الجميل الراقي أن يظل جميلا، لكن أن ينقلب بعد ذلك إلى قبح ويورث قبحا، كما يحدث في الرقص، فلا يعد جميلا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وابتغ فيمآ آتاك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٩٨