لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]. والبعض يفهم قوله تعالى:
قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين
[الأعراف: 14-15] أن الله تعالى أجاب إبليس إلى ما طلب، لكن
إنك من المنظرين
[الأعراف: 15] ليست إجابة، إنما تقرير لشيء حادث بالفعل قبل أن يطلب، فالمعنى أن سؤالك ليس له معنى لأنك من المنظرين فعلا، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يظل إبليس الذي أغوى آدم وأخرجه من الجنة باقيا أمام ذريته ليذكرهم دائما: هذا الذي أغوى أباكم آدم. وقولهم: ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا.. ﴾ [القصص: 63] لنا وقفة مع ﴿ هؤلاء.. ﴾ [القصص: 63] وهي اسم إشارة للجمع بنوعيه، تقول: هؤلاء الرجال، وهؤلاء النساء، وهي عبارة عن: الهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة، وكذلك في هذا، هذه، هذان، هاتان، فالهاء فيها للتنبيه لتنبه السامع أنك ستتكلم ليعطيك سمعه، ويهتم بما تقول، فلا يفوته من كلامك شيء. هذا حين تخاطب مثلك لأنه يحتاج إلى تنبيه، أما إذا خاطبت ربك - عز وجل - فمن سوء الأدب أن تستخدم في خطابه أداة التنبيه، كما استخدمها المشركون، فما داموا قد قالوا ﴿ ربنا.. ﴾ [القصص: 63] فليس من الأدب أن يقولوا ﴿ هؤلاء.. ﴾ [القصص: 63] أينبهون الله عز وجل؟ لذلك نلحظ هذا الأدب في خطاب نبي الله موسى - عليه السلام - فيما حكاه عنه القرآن:
ومآ أعجلك عن قومك يموسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى
[طه: 84] فقال أولاء بدون هاء التنبيه تأدبا مع ربه عز وجل. ونلحظ أنك لا تجد خطابا من الكفار إلا باستخدام هؤلاء:
ربنا هؤلاء أضلونا..
[الأعراف: 38]
ربنا هؤلآء شركآؤنا..
[النحل: 86] أما المؤمن فلا يليق به أبدا أن ينبه الله تعالى، بل ولا تصدر من مؤمن لمؤمن لأنه دائما منتبه. ثم يقولون: ﴿ تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ [القصص: 63] الآن ينكصون كما قالوا من قبل ﴿ ربنا.. ﴾ [القصص: 63] يقولون الآن ﴿ تبرأنآ إليك.. ﴾ [القصص: 63] لكن هيهات تنفعهم هذه البراءة، لقد انتهى وقتها، ومضى زمن التكليف والاختيار، والآن وقت الحساب وسلب الإرادة والاختيار، وما أشبههم بفرعون حين قال الله له:
آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين
[يونس: 91]. وقولهم: ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ [القصص: 63] يقول الشركاء: ما كان معنا قوة قهر نحملكم بها على عبادتنا، ولا قوة سلطان أو حجة نقنعكم بها، إنما كنتم في انتظار إشارة منا، كما قال كبيرهم إبليس:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..
[إبراهيم: 22]. إذن: فهؤلاء المشركون كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم لأن الشركاء كانوا أصناما أو غيرها، وليس لهم منهج يتكلمون به، ويدعون الناس إلى عبادتهم به، وإلا فماذا قالت الأصنام أو الشمس أو النجوم لمن عبدها؟ بم أمرتهم، وعم نهتهم؟ إذن: هو إله بلا منهج وبلا تكاليف، وهذا ما يريده المشركون لأن الذي يتعب الناس في قضية الإيمان بالألوهية ما تقتضيه من تكاليف، وما تفرضه من أمرأو نهي يحول بين النفس البشرية وما تشتهي، ويوقفها عند حدود لا تتعداها. إذن: ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ [القصص: 63] بل يعبدون ذواتهم، ويعبدون شهواتهم ورغباتهم، وما أسهل أن يعبد الإنسان آلهة لا تلزمه بشيء، فيسير في حياته على هواه، وهذه هي التي روجت لعبادة هذه الآلهة. لذلك فإن الحق سبحانه يريد أن يلزم الإنسان حجة أن نفسه هي الوسيلة الأولى لشهواته، وإلا فلو أن المسألة كلها وسوسة شيطان، فمن أغوى إبليس بالعصيان أولا على حد قول الشاعر:
إبليس لما عصى من كان وسوسه؟
إذن: فهي كبرياء النفس ورغباتها، وليس للشيطان إلا أن يلوح لها فتقع لذلك جاء في الحديث الشريف:
" إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين ".