تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النساء: 106] لأن الله لا يحب الخوان الأثيم ولو كان مسلما. ثم ذكرت له سبب نزول هذه الآية وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن السمين أمانة عند طعمة بن أبيرق المسلم، وكان الدرع قد سرق من قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة ذهب يبحث عنه، وكان قد وضعه في كيس من الدقيق، فتتبع أثر الدقيق حتى ذهب إلى بيت زيد بن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته، وأذاع أمره بين الناس، فقص اليهودي ما كان من أمر طعمة بن أبيرق، وأنه أودع الدرع عنده على سبيل الأمانة لأنه يخشى عليه أن يسرق من بيته. وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم لأنه حديث عهد بإسلام، وكيف ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق، ومالوا إلى إدانة اليهودي، وفعلا عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلا يخرجه من هذا المأزق، مع أنهم لا يستبعدون أن يسرق ابن أبيرق. وجلس رسول الله يفكر في هذا الأمر، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي، فيقول له: هذه المسألة لا تحتاج إلى تفكير ولا بحث:

إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما

[النساء: 105]. فأدانت الآية ابن أبيرق، ودلت على أن هذه ليست الحادثة الأولى في حقه، ووصفته بأنه خوان أي: كثير الخيانة وبرأت اليهودي، وصححت وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم بالسرقة، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق، وأدانوا اليهودي. فالآية وإن أدانت المسلم، إلا أنها رفعت شأن الإسلام في نظر الجميع: المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية، ولو انحاز رسول الله وتعصب للمسلم لاهتزت صورة الإسلام في نظر الجميع. ولو حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام، وقد أسلموا فعلا بعد ما حدث؟ وما أشبه هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من نظر صاحبه الذي شهد لصالحه، حتى قالوا: من جعلك موضعا للنقيصة فقد سقطت من نظره، وإن أعنته على أمره، فشاهد الزور يرتفع رأسك على الخصم بشهادته، وتطأ قدمك على كرامته. وقوله تعالى: ﴿ ويدرؤن بالحسنة السيئة.. ﴾ [القصص: 54] هذه أيضا من خصالهم أن يدفعوا السيئة بالحسنة، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43] ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [القصص: 54] النفقة الواجبة على نفسه وعلى آله، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة، ثم نفقة المروءات للمساكين وأهل الخصاصة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٧٨