فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال:
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
[المائدة: 118]، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا
[نوح: 26] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال:
ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم
[يونس: 88] لو اتفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش. وسبق له صلى الله عليه وسلم أن استشار الصحابة في معركة بدر. وحدث أن اختار رسول الله عليه الصلاة والسلام أماكن جيش المسلمين، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار. إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على الكلام لأن لله علما آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود والله له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى لم يكن فيها حكم قد نزل من الله. ولذلك استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته، وكان أمامه رأي فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق. وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز ما قاله الفريقان فريق اللين بقيادة أبي بكر رضي الله عنه وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله العباس في بيعة العقبة حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقد حضر العباس هذه البيعة، وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج.. خزرجها وأوسها. قال العباس: إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. إذن فالعباس قد وقف موقفا لا بد أن يجازى بمثله، ورغم أنه كان كافرا وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف بمثله لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق:
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ
[النساء: 86]. فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على أنه مجاملة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في بيعة العقبة.
وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله عز وجل منك. قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشا، فضحك النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم. إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية. ثم ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوج ابنته زينب وكان في الأسارى أبو العاص ابن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز. ومن بعد ذلك نزل قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض... ﴾.