ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر
[فصلت: 37]. وكذلك المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله مثل انشقاق البحر لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى عليه السلام، ثم آيات القرآن الكريم التي هي محكم منهج الله في الأرض. وقول الحق: ﴿ كفروا بآيات الله ﴾ [الأنفال: 52]، نعلم منه أنهم أنكروا وجود الخالق، والأصل في الكفر هو الستر، وكفر يعني ستر. ولذلك يسمون الزارع بالمعنى اللغوي: كافر لأنه يحضر الحب ويستره بالتراب، ويسمون الليل لغويا: كافر لأنه يستر الأشياء. والشاعر يقول:
لي فيك أجر مجاهد
إن صح أن الليل كافر
ومعنى " كفروا " أي ستروا وجود الله تعالى، إذن فالله عز وجل موجود ثابت الوجود قبل أن يستروه بالكفر لأن الإيمان أصل في وجود الخلق، والخلق قد وجدوا على الإيمان، ثم جاء أناس ستروا هذا الإيمان. إذن فكلمة الكفر التي معناها الستر دليل من أدلة الإيمان، وإلا لو لم يكن الله موجودا فكيف يسترون ما ليس له وجود؟، فإذا قال لك أحد: إنه كفر - والعياذ بالله - تقول: الكفر هو الستر فماذا سترت؟ لا بد أنك سترت ما هو موجود، وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ كفروا بآيات الله ﴾ [الأنفال: 52]. أي كفروا بآياته الكونية فلم يؤمنوا رغم الآيات الظاهرة التي تملأ الكون، وكفروا بآيات الرسل فكذبوا رسلهم رغم أنهم جاءوهم بمعجزات تخرق قوانين الحياة، ولم يصدقوا آيات الكتاب التي أنزلت من السماء لتبين لهم منهج الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ﴾ [الأنفال: 52]. إيجاز معبر يذكر لك لماذا أخذهم الله بذنوبهم: ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52]. والأخذ في قوله تعالى: ﴿ فأخذهم ﴾ [الأنفال: 52] كان بسبب ما ارتكبوه من ذنوب وإفساد في الأرض. والإنسان حين يجد سوءا يحيط به وعذابا أليما يأتيه فهو يحاول أن يفر منه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى:
أخذ عزيز مقتدر
[القمر: 42]. أي أن قدرة الله تعالى تمسك الكافر مسكة محكمة فلا يستطيع فرارا أو هروبا. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52]. أي أن الله أقوى من كل ما تصنعون في كونه، وعقابه تعالى شديد وأليم. ونعلم أن العقاب لا يعم الناس إلا بقدر ذنوبهم، فليس معنى أن الله شديد العقاب أن تصيب شدة العذاب من فعل ذنبا بسيطا، ولكن لكل جزاؤه على قدر ذنبه وهذا العقاب مهما كان بسيطا فهو شديد أليم، لأن العقاب من الله إنما يحدث بقدرات الله، فهما كان بسيطا فهو شديد أليم، وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ [الأنفال: 52]. هذا القول لا يدخل في الجبرية التي يقول عنها الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له
إياك إياك أن تبتل بالماء
ويخطىء من يظن أن الله قد كتب جبرا على إنسان أن يكون كافرا ثم يلقى به في نار جهنم، لا لأن مثل هذا الأمر يتنافى مع عدالة الله سبحانه وتعالى، فأنت أيها الإنسان مخير بين الطاعة وبين المعصية، بين الإيمان وبين الكفر. وعلى هذا نفهم قول الحق: ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ [الأنفال: 52]. أي بسبب ذنوبهم، وما دام الحق تبارك وتعالى قد توعدهم بعقاب شديد فهذا دليل على شدة ظلمهم. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى الحيثية لذلك فيقول تعالى: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم... ﴾.