تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[يونس: 22]. وسبحانه وتعالى عندما استخدم كلمة " ريح " في هذه الآية وصفها بأنها " طيبة ". وهنا في الآية يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. ﴾ [الأنفال: 46]. و " ريحكم " أي قوتكم لأن الريح هنا معناها القوة التي تدمر عدوكم. ونعلم أن السفن في الماضي كانت تبحر بقوة الريح. وعندما تقدم العلم وجاء البخار والكهرباء ألغي شراع المراكب واستخدم بدلا منه ماكينات تدفع حركة السفينة. وتطلق كلمة " الريح " على الرائحة، فيقال: " ريح عطرة " ، وهذه الرائحة تبقى في المكان حتى بعد أن يغادره من استخدم هذه الرائحة، ولكل إنسان من رائحة خاصة، تماما كما أن لكل إنسان بصمة خاصة، ولكننا لا نستطيع أن نميزها، ولكن الكلاب المدربة تميز الرائحة الخاصة بالإنسان، فيأتي الكلب ويشم رائحة الإنسان ويتتبعه إلى المكان الذي ذهب إليه. أو يستطيع أن يخرجه من بين عشرات الأشخاص. ولا تختلط رائحة أحد بأحد رغم وجودهم في مكان واحد، وإلا لما استطاع الكلب المدرب لأن يميز رائحة شخص معين ضمن عشرات الأشخاص الموجودين. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ يعني بأن تنتهوا ولا يكون لكم أثر لأنه ما دام لكم أثر في الأرض فلكم ريح تميزكم. وتلك التي - كما قلنا - أن الكلاب المدربة تميزها، ولكن الإنسان إذا مات ودفن فلا رائحة له. ويدلنا القرآن الكريم على ذلك حين يتكلم عن قصة يوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته في الجب. وعثرت عليه قافلة، ثم اشتراه ملك مصر، ثم دخل السجن وخرج وأصبح هو عزيز مصر.

وجاءه إخوته وأعطاهم يوسف عليه السلام قميصه ليلقوه على وجه أبيه يعقوب ليرتد بصيرا، بعد أن أذهب الحزن بصره، يقول الحق عن خروج العير من مصر إلى الشام حيث كان يعيش سيدنا يعقوب:

ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون

[يوسف: 94]. أي أن القافلة حين خرجت من بين المباني التي يمكن أن تكتم الريح بقوة كتلتها لأن المباني لها إشعاعات قد تكتم الريح وتحجبه، وبعد أن صارت القافلة في الخلاء عرف يعقوب عليه السلام ريح ابنه يوسف من القميص الذي يحملونه: ﴿ قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ﴾. ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين ﴾ [الأنفال: 46]. وهذه تتمة الصورة التي يريدنا الله أن نلتفت إليها، فقد أمرهم الله أن يثبتوا في القتال، والقتال يحتاج إلى قوة وإلى عدم تنازع وإلى صبر على الشدائد خصوصا إذا كان عدوك صابرا شديد البأس. إذن ففي المعركة يريد الله عز وجل من المؤمنين الثبات في القتال وعدم الفرار، وذكر الله كثيرا، وعدم التنازع حتى لا تضيع قوة المؤمنين، ويوصيهم سبحانه بالصبر لأن عدوهم قد يكون عنده صبر وجلد، فلا بد أن يمتلك المؤمن رصيدا من الجلد والصبر يمكنه من هزيمة عدوه، وصفة الصبر تدل على المنافسة. وهي مأخوذة عندما كانوا يغطسون في الماء، فالذي يبقى تحت الماء أكثر من الآخر يكون نفسه أطول. ولذلك فسيدنا عباس وسيدنا عمر - رضي الله عنهما - دخلا في منافسة في الغطس. وقال له: نافسني، أي لنرى من الذي سيمكث تحت الماء أكثر - ويكون ﴿ صابرا ﴾ أي يتحمل أكثر في المواقف الصعبة ويصبر صبرا فوق صبر الخصوم. وقوله الحق عز وجل هنا: ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ [الأنفال: 46]. يثبت به سبحانه وتعالى أن كل مؤمن عليه أن يشعر أن الله تبارك وتعالى هو الذي انتدبه ليقوم بهذه المهمة القتالية وهو معه، فلا تخور نفسه لأن الضعيف إذا ما تحصن بالقوي أعطاه الجرأة والقدرة على الاحتمال، تماما كالولد الصغير، إذا مشى في الشارع وحده قد يعتدي عليه الأولاد الآخرون، ولكن إذا كان يسير مع أبيه لا يقترب منه أحد، فما بالك بالإنسان الذي هو مع ربه لذلك يوصي الحق كل مقاتل أن يتذكر أنه في معية ربه وأن أي حدث ضار في الكون لا يستطيع أن يناله مهما كان ضعيفا لأن قوة الله معه. ولذلك يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٤٧