تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال كلا

[الشعراء: 62]. أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى لأن البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى عليه السلام بملء فيه قوله:

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]. أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله يأمره أن يضرب بعصاه البحر فينفلق وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله سبحانه وتعالى قال لموسى:

واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون

[الدخان: 24]. أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء بل اتركه على حاله ساكنا فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ﴾ [الأنفال:45]. وسبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني النفس من كرب عظيم، خصوصا إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من المؤمنين لأن يتذكروا دائما أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه سبحانه وتعالى معهم، فليذكروا هذا كثيرا ليوالي نصرهم على عدوهم لأنهم إذا ما داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر.

وذكر الحق كلمة ﴿ كثيرا ﴾ هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله لذلك يؤكد سبحانه وتعالى هنا أن يكون ذكر الله كثيرا، ليوالي الله نصر المؤمن على عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده سبحانه وتعالى حينما يستحضر الخلق المؤمنين للصلاة في يوم الجمعة يقول:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

[الجمعة: 9-10]. يطلب الحق سبحانه وتعالى ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات. ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيرا فستكونون من المفلحين. وذكر الله كثيرا معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله سبحانه وتعالى معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله عز وجل في كل وقت. مثال ذلك ما حدث في عام 1973 في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: ﴿ الله أكبر ﴾ طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط " بارليف ". وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٤٥