تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فالذي يتفضل إنما يريد شيئا، إما كمال مال أو ثناء وإطراء، وراحة نفس من مناظر الإيلام التي يراها، وهذا دليل على أنه يعاني من نقص ما ويريد أن يكمله. فإذا كان الله عز وجل هو صاحب الفضل، ألله نقص في كمال؟!! لا. إذن فهذا هو الفضل العظيم ويمنحه لعباده تفضلا منه دون رغبة في كمال أو ثناء، وأيضا فكل فضل من دون الله يتضمن المن، لكن فضل الله تعالى ليس فيه من وليس فيه ذلة لأحد. وقد يستنكف إنسان أن يأخذ شيئا من إنسان آخر. لكن من الذي يستنكف على فضل الله؟. لا أحد. لأن الحياة كلها هبة منه، ولذلك يضرب المثل بالفتاة التي قالت لمعن بن زائدة:

فعد إن الكريم له معاد

وظني بابن أروى أن يعودا

وكانت الفتاة تطالب ابن زائدة أن يعود إلى التفضل عليهم، فنهرها أبوها، فقالت له: يا أبي إن الملوك لا يستحى من الطلب منهم. ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ [الأنفال: 29]. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن تنتبه إلى أن كل مظهر من مظاهر وجودك في الحياة ومظاهر استبقاء حياتك، ومظاهر نعيمك كلها، إن نسبتها فستصل إلى الله، فإن كنت تشتري - على سبيل المثال - أثاثا لبيتك، واخترت خشب الورد ليكون هو الخشب الذي يصنع لك منه النجار هذا الأثاث، فأنت تأتي بهذا الخشب من أندونيسيا أو باكستان مثلا لأن الغابات هناك تنتج مثل هذا النوع من الخشب، وكل شيء في حياتك إن سلسلته ستجد أن أيدي المخلوقات من البشر تنتهي عند خلق لله وهبه للإنسان، وهذا هو الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى. وبعد أن أوضح الحق سبحانه وتعالى بهذا التوجيه: لا تخونوا الله، ولا تخونوا الرسول، ولا تخونوا أماناتكم، من أجل أولادكم أو أزواجكم، واعلموا أن مرد كل الفضل إلى الله تعالى، واذكروا واقع الدنيا معكم، أصدقت هذه المسائل أم لم تصدق؟ لقد صدقت كلها، كما قال الحق سبحانه وتعالى من قبل:

واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس..

[الأنفال: 26]. وكان هذا القول بالنسبة للمسلمين، فماذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟. هنا يقول المولى سبحانه: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٢٧