تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمسك علي بن أبي طالب عقيصتها وأخرج الكتاب من المكان الذي تخبىء فيه أشياءها، فوجد رسالة تحذير لقريش، وعاد علي - كرم الله وجهه - بالرسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم حاطبا: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن ذلك لا يضرك في شيء، وأن الله ناصرك.. ناصرك، ولكني أردت أن أتخذ لي يدا عند قريش، لأنني رجل ضعيف ولا مال لي ولا أهل. فعفا عنه رسول الله صلى الله وسلم رغم أن هذا نوع من اختيان الرسول. ولكن عليك أن تعلم أن كل مخالفة لحكم قبلته من الله الذي آمنت به يعتبر خيانة للأمانة. ﴿ لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾ [الأنفال: 27]. أي لا تخونوا الله والرسول في المنهج ولا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وأنتم تعلمون، أي ألا يخون أحدكم قومه عن عمد، ويؤخذ من هذا القول ثبوت المغفرة في حالة الخطأ والنسيان، والممنوع أن تخون وأنت تعلم وتقصد، لكن إن حدث أمر بسبب فلتة لسان، فاعلم أن ربنا سبحانه وتعالى غفور رحيم، وله فضل عظيم، لا يأخذك بالسهو، وأنتم تعلمون بالفطرة أن مثل هذا الفعل رذيلة لا يقبل عليها إنسان كريم، ولو لم يكن متدينا، وعليك أن تقيس الأمر بمقياس واضح هو: أتحب أن يفعل أحد معك نفس ما تفعله مع غيرك؟. وهذا سؤال تكون إجابته دليل الفطرة. فإن عرفت أن الفطرة ترفض الفعل ولا تتقبله، فعليك ألا تفعله، لأنه مناف لهذه الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وعلى سبيل المثال: إن اللص لو تخيل نفسه مسروقا لما رضي أن يسرق، والمعتدي على العرض، لو تخيل أن هناك من يعتدي على عرضه لما اقترف الاعتداء على عرض الغير بهدف تحقق شهوة في النفس. وما لا ترضاه لنفسك يجب عليك ألا ترضاه لغيرك. أتحب أن يخونك أحد في حديث أو في أمانة؟ لا لذلك عليك أن تقيس كل أمر لا من الطرف الآخر، بل من طرفك أنت. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أي متعمدون، غير ناسين أو ساهين، أو جاء الأمر كفلتة لسان لأنكم إذا كنتم تعلمون، ففي ارتكاب هذه الأفعال خيانة والله ينهي عن ذلك فيقول: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾ [الأنفال: 27]. ونلحظ أن الخطاب هنا لجماعة المؤمنين، وجاءت الأمانات أيضا جماعة، وأنت حين تفصل الأمانات المجموعة على القوم المخاطبين بذلك، تعلم أن على كل إنسان تكليفا محدودا هو ألا يخون أمانته مثلما يقول الأستاذ للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم. فهذا أمر لجماعة التلاميذ بأن يخرج كل واحد قلمه. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٢٤