تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الذاريات: 49]. أي أن كل الكائنات مخلوقة ابتداء من الله، ولا يوجد جنس قد نشأ من جنس آخر. ونقدم هذا الدليل العقلي لغير المتدينين، فنقول: لماذا لم تؤثر الظروف التي أثرت في القرد الأول ليصير إنسانا، في بقية القرود لتكون أناسا؟ وهكذا تنهدم النظرية - نظرية داروين - من أولها لآخرها، وعلماء الأجناس يهدمونها الآن. والحق تبارك وتعالى أخبرنا أن هذه المخلوقات التي تقع في المرتبة تحت الإنسان، لا تستطيع أن ترتب المقدمات، وتأخذ منها النتائج. ولا تعرف البديلات في الاختيار، والحيوان وهو أرقى الأجناس ليس عنده بديلات إنه يتعلم مهمة واحدة وتنتهي المسألة لأنها دواب لا تعقل، لكن الإنسان يملك القدرة على الاختيار بين البديلات. وجرب أن تعاكس قطة فإنك تجدها تهاجمك وتجرحك بمخالبها إلا إن كنت أنت مستأنسها وتعرف أنك تداعبها. أما المؤمن العاقل المكلف فهو يتصرف في المواقف بشكل مختلف. فإن قام إنسان بإيذائه فقد يعاقبه بمثل ما عوقب، وقد يعفو عنه، وقد يكظم غيظه.

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس..

[آل عمران: 134]. إذن فأنت أيها المؤمن عندك بديلات كثيرة، لكن الحيوان لا يملك مثل هذه البديلات. ولذلك ضربنا من قبل المثل: لو أنك علفت حيوانا إلى أن أكل وشبع ثم جئت إليه بعد شبعه بشيء زائد من أشهى طعام عنده تجده لا يأكله. بينما الإنسان إن شبع فقد لا يمانع أن يأكل فوق الشبع من صنف يحبه. ومثال آخر: نرى في الريف أن الحمار حين يرى جدولا من المياه ويكون اتساع الجدول فوق قدرته على أن يقفز عليه ليعبره، نجد الحمار قد توقف رافضا القفز أو المرور فوق هذا الجدول.

فهل قاس الحمار المسافة بنظره ووازنها بقدرته؟! إنه يقفز فوق الجداول التي في متناول قدرته، لكنه يرفض ما فوق هذه القدرة، رغم أننا نصف الحمار بالبلادة. وهذا يبين لنا أن كل جنس يسير في ناموس تكوينه ليؤدي مهمته التي أرادها له الله. ولقائل أن يقول: كيف يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ إن شر الدواب عند الله ﴾ بينما الحيوانات كلها مسخرة؟ ونقول: إذا كنت أيها الإنسان تأخذ وظيفة الأدنى فأنت تختار أن تكون شرا من الدابة لأن الأدنى مسخر بقانونه ويفعل الأشياء بغرائزه لا بفكره، فكأن فكر الاختيار بين البديلات غير موجود فيه، لكنك أيها الإنسان ميزك الله بالعقل الذي يختار بين البديلات، فإن أوقفت عقلك عن العمل، وسلبت قدرتك على القبول لما تسمع من وحي ألا تكون شر الدواب؟ وحين نتأمل كلمة " شر وخير " نقرأ قول الحق تبارك وتعالى:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]. فالخير يقابله الشر، وحين يقابل الخير الشر، فالإنسان يميز الخير، لأنه نافع وحسن، ويميز الشر لأنه ضار وقبيح. ولكن كلمة " خير " تستعمل أحيانا استعمالا آخر لا يقابله الشر، بل يقال: إن هذا الأمر خير من الثاني، رغم أن الثاني أيضا خير، مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:

" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ".

إن كلا منهما - أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف - فيه خير، لكن في الخير ارتقاءات، هناك خير يزيد عن خير، ويخبر المولى في قوله تعالى: ﴿ إن شر الدوآب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ﴾. أي أن الكفار شر ما دب على الأرض لأنهم قد افتقدوا وسيلة الهداية وهي السماع، وبذلك صاروا بكما أي لا ينطقون كلمة الهدى. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠١٣