. } [الأنفال: 15]. وزحفا مصدر زحف، والزحف في الأصل هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر بالنصف الأعلى من الجسم. وتقول: " الولد زحف " أي تحرك من مكانه بنقل يديه وشد بذلك بقية جسمه. كما نقول: " حبا ". أي استعمل الوركين والركبتين ليتحرك بجسده على الأرض، ثم نقول: " مشى " أي وقف على قدميه وسار، فتلك إذن مراحل تبدأ من زحف ثم حبو ثم مشى، والطفل يبدأ حركته الأولى بالزحف، بعد أن يتمكن من السيطرة على رأسه، ويمتلك القدرة على تحريكها بإرادته، ويقوى نصفه الأعلى، فيقعد، ثم يزحف، وبعد ذلك تقوى فخذاه فيحبو، ومن بعد ذلك تقوى الساقان فيمشي. إذن قوة الطفل تبدأ من أعلى. ولكن ما حكاية " زحفا " هنا في هذه الآية الكريمة؟ ولماذا لم يقل هرولوا إلى القتال؟. ونقول: إن الزحف هو انتقال كتلة لا ترى الناقل فيها، فمن يراها يظن أن الكتلة كلها تتحرك. وكأن الحق تعالى يقصد: أريد منكم أن تتحركوا إلى الحرب كتلة واحدة متلاصقين تماما فيظهر الأمر وكأنكم تزحفون. وزحفا أصلها زاحفين، وقد عدل سبحانه وتعالى عن اسم الفاعل وجاء بالمصدر، مثلما نقول عن إنسان عادل: إنه إنسان عدل، أي أن عدله مجسم. ولذلك نجد الشاعر يقول عن الجيش الزاحف:
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه
وفي أذن الجوزاء منه زمازم
والخميس هو الجيش الجرار، ويريد الشاعر أن يصور الزحف كأنه كتلة واحدة متماسكة ومترابطة، بحيث لا تستطيع أن تميز حركة جندي من حركة جندي آخر، حتى ليخيل إليك أن الكتلة كلها تسير معا. ومن يريد أن يتأكد من ذلك ندعو الله أن يكتب له الحج ويصعد إلى الدور الثاني من الحرم المكي الشريف ويرى الطائفين، ويجدهم ملتحمين جميعا كأنهم كتلة واحدة تسير، ولذلك سموها " السيل ". و " سالت بأعناق المطي الأباطح ". مثلهم مثل السيل في تدفقه لا تفرق فيه نقطة عن أخرى. والحق تبارك وتعالى يوضح لنا هنا أن لقاء الكفار يجب أن يكون زحفا أي كتلة واحدة متماسكة، فيصيب المشهد الكافرين بالرعب حين يرون هذه الكتلة الضخمة التي لا يفرق أحد بين أعضائها، وهكذا تكون المواجهة الحقيقية. ويواصل الحق سبحانه وتعالى التنبيه فيقول: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15]. أي لا تعطوهم ظهوركم، وهو سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول:
ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين
[المائدة: 21]. ويريد الله أن يعطي صورة بشعة في أذن القوم لأن " الأدبار " جمع " دبر " والدبر مفهوم أنه الخلف ويقابله القبل، وهذا تحذير لك من أن تمكن عدوك من ظهرك أي دبرك، لأن هذا أمر مستهجن، ولذلك نجد الإمام عليا - كرم الله وجهه - يرد على من قالوا له إن درعك له صدار وليس له ظهار، أي مغطى من الصدر، وليس له ظهر. وهنا يقول الإمام علي رضي الله عنه: " ثكلتني أمي إن مكنت عدوي من ظهري " ، وكأن شهامة وشجاعة الإمام تحمله على أنه يترك ظهره من غير وقاية. وفي قول الحق جل وعلا ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ تحذير من الفرار من مواجهة العدو. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة... ﴾.