وقد روي في قصة (هاروت) و (ماروت) عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقوله تعالى: ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ ، عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة: أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال ابن جريج في هذه الآية: لا يجترىء على السحر إلا كافر. وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:
وقد فتن الناس في دينهم
وخلى ابن عفان شرا طويلا
وكذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام حيث قال:
إن هي إلا فتنتك
[الأعراف: 155] أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر واستشهد له بالحديث الصحيح:
" من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم "
، وقوله تعالى: ﴿ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر، ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا! ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت "
وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
وقوله تعالى: ﴿ وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله، وقال الحسن البصري: من شاء الله سلطهم عليه ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن الله.
وقوله تعالى: ﴿ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ﴾ أي يضرهم في دينهم وليس له نفع يوازي ضرره ﴿ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ﴾ أي ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ماله في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس: من نصيب، ﴿ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ﴾ يقول تعالى: ﴿ ولبئس ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم علم بما وعظوا به ﴿ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ﴾ أي ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به كما قال تعالى:
وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا الصابرون
[القصص: 80].
وقد استدل بقوله: ﴿ ولو أنهم آمنوا واتقوا ﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف، وقيل: بل لا يكفر ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول؛ كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وصح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الساحر، وروى الترمذي عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: