تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله (سليمان بن داود) وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد؟ يزعم أن ابن داود كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا، وأنزل الله: ﴿ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ﴾ الآية.

وروي أنه لما مات سليمان عليه السلام قام إبليس - لعنه الله - خطيبا فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرا، هذا سحره بهذا تعبدنا وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا. فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ﴾ الآية. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام.

وقوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ أي واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعداه بعلى لأنه تضمن ﴿ تتلوا ﴾ تكذب، وقال ابن جرير: ﴿ على ﴾ ههنا بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق (قلت): والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم. وقول الحسن البصري رحمه الله: - وكان السحر قبل زمن سليمان - صحيح لا شك فيه، لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده كما قال تعالى:

ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى

[البقرة: 246] الآية ثم ذكر القصة بعدها، وفيها:

وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة

[البقرة: 251]. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام - لنبيهم صالح إنما

أنت من المسحرين

[الشعراء: 153] أي المسحورين على المشهور، وقوله تعالى: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن " ما " نافية أعني التي في قوله: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ﴾.

قال القرطبي: " ما " نافية ومعطوف على قوله: ﴿ وما كفر سليمان ﴾ ، ثم قال: ﴿ ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ﴾ ، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله وجعل قوله: ﴿ هاروت وماروت ﴾ بدلا من الشياطين، قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى:

فإن كان له إخوة

[النساء: 11] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه، وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ببابل ﴾ الآية. يقول: لم ينزل الله السحر، وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون قوله: ﴿ ببابل هاروت وماروت ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل. هاروت وماروت " فيكون معنيا بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما (هاروت) واسم الآخر (ماروت) فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول وإن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جدا، وأغرب منه قوله من زعم أن ﴿ هاروت وماروت ﴾ قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٤