تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال البخاري: عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" " أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقبل الحديقة وطلقها تطليقة "

، وهكذا رواه البخاري أيضا من طرق عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه يعني بغضا. وفي رواية عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعتب على (ثابت بن قيس) في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:

" " تردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد "

وقال ابن جرير: عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

" " يا جميلة ما كرهت من ثابت؟ " قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: " أتردين عليه الحديقة "؟ قالت: نعم، فردت الحديقة وفرق بينهما ".

وأول خلع كان في الإسلام في أخت (عبد الله بن أبي) أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:

" يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، فقال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي فإن ردت علي حديقتي، قال: " ماذا تقولين "؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما ".

وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾. وعن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتي بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها لحديث الربيع بنت معوذ قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يوما فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت فخاصم عمي (معاذ بن عفراء) إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد، وهذا مذهب مالك والشافعي واختاره ابن جرير.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا فإن أخذ جاز في القضاء، وقال الإمام أحمد: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وقال معمر: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها.

(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية ابن عباس في قصة (ثابت بن قيس) فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ أي من الذي أعطاها لتقدم قوله: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ﴾ ولهذا قال بعده: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٧٣