تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ قال ابن عباس: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي أن تعتزلوهن، وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر كما سيأتي قريبا إن شاء الله، وقال الضحاك: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني طاهرات غير حيض، ولهذا قال: ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ أي من الذنب وإن تكرر غشيانه، ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.

وقوله تعالى: ﴿ نسآؤكم حرث لكم ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد، ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.

قال البخاري: عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾. عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول فأنزل الله: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج "

وعن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية ﴿ نسآؤكم حرث لكم ﴾ في أناس من الأنصار، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" ائتها على كل حال إذا كان في الفرج ".

قال الإمام أحمد: عن عبد الله بن سابط قال: دخلت على (حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر) فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك قالت: فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن، قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يحبون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من أحبى امرأته كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار، فأحبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت فسألته أم سلمة فقال: ادعي " الأنصارية " فدعتها، فتلا عليها هذه الآية: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ " صماما واحدا ". وعن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت! قال: " ما الذي أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئا، قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾: " أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ".

وعن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قالت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وهذا الحديث محمول - على ما تقدم - وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها لما روى كعب بن علقمة عن أبي النضر أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال: كذبوا علي ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنا كنا معشر قريش نحبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فآذاهن فكرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ، وهذا إسناد صحيح وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك رحمه الله، وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة، بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٦٦