تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ﴾: أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين كما دلت عليه الأحاديث الصحاح. ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ أي فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر، وفي هذا دليل على مشروعية التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ ، وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله عنه ينهى عنها محرما لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين كما قد صرح به رضي الله عنه.

وقوله تعالى: ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ﴾ ، يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج أي في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، أو حين يحرم، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين.

وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله، وعن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة. فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، الأول: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي. وعن علي أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق لعموم قوله: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ ، والثاني: أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ".

وقوله تعالى: ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم إلى رحالكم، و (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم. وقد روى البخاري عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، فأهل بعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس:

" من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله "

وقوله: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي. وقال الله تعالى:

ولا طائر يطير بجناحيه

[الأنعام: 38]، وقال:

ولا تخطه بيمينك

[العنكبوت: 48]، وقال:

وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة

[الأعراف: 142]. وقيل: معنى ﴿ كاملة ﴾ الأمر بإكمالها وإتمامها واختاره ابن جرير. وقيل: معنى ﴿ كاملة ﴾ أي مجزئة عن الهدي.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٤٥