" حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ".
وقوله تعالى: ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ ، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ شاة، والهدي من الأزواج الثمانية من (الإبل، والبقر، والمعز، والضأن) وهو مذهب الأئمة الأربعة. وروي عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر، وروي مثله عن سعيد بن جبير.
(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة، وعن ابن عباس في قوله: ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال: بقدر يسارته، وقال العوفي عن ابن عباس: إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هديا، والهدي من بهيمة الأنعام وهي (الإبل والبقر والغنم) كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنما.
وقوله تعالى: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ ، وليس معطوفا على قوله: ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حالة الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت:
" يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " ".
وقوله تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾. روى البخاري عن عبد الله بن معقل قال:
" قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فسألته عن فدية من صيام فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ " قلت: لا، قال: " صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك " ، فنزلت في خاصة وهي لكم عامة "
، وعن كعب بن عجرة قال:
" أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي فقال: " يؤذيك هوام رأسك "؟ قلت: نعم، قال: " فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة "
، قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.
وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ ، قال: إذا كان (أو) فأية أخذت أجزأ عنك. وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاووس نحو ذلك. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء، أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم (كعب بن عجرة) بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال:
" انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام "
وقال ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين مكوكا من تمر ومكوكا من بر، والنسك شاة، وقال الحسن وعكرمة في قوله: ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين، وهذان القولان من سعيد بن جبير والحسن وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنة في حديث (كعب بن عجرة) الصيام ثلاثة أيام لا ستة أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم. وقال طاووس: ما كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.