مسألة
ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام، يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم، وفي حديث (أم سلمة) عندهما ثم لا يفطر ولا يقضي.
وقوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس كما جاء في الصحيحين:
" إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم "
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله عز وجل: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا "
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل يوما بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئا، عن أبي هريرة قال:
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تواصلوا " ، قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل، قال: " فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني "
قال فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين، ثم رأوا الهلال فقال:
" لو تأخر الهلال لزدتكم "
كالمنكل لهم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال:
" إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني "
، فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان (معنويا) لا (حسيا) وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ". قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: " إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني " ".
وقوله تعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، قال ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه، وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره.
وهذا الذي حكاه هو الأمر المتفق عليه عند العلماء، أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه مار في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه.
وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام، إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وفي الصحيحين: أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا (وفي رواية) تواريا - أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه - فقال لهما صلى الله عليه وسلم: