تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74.26-30

﴿ سأصليه سقر ﴾ أي: جهنم. وهو بدل من ﴿ سأرهقه صعودا ﴾ بدل اشتمال، لاشتمال ﴿ سقر ﴾ على الشدائد. ﴿ ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر ﴾ قال الزمخشري: أي: لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة. ﴿ لواحة للبشر ﴾ أي: محرقة للجلود، من (لوحته الشمس) إذا سودت ظاهره وأطرافه. و (البشر) جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. أو اسم جنس بمعنى الناس. وجوز أن يكون المعنى: لائحة للناس، من (لاح) بمعنى ظهر، والبشر بمعنى: الناس. ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ أي: من الخزنة المتولين أمرها، والتسلط على أهلها، وفيه إشارة إلى أن زبانية العذاب الأخروي، تفوق زبانية الجبابرة في الدنيا أضعافا مضاعفة، تنبيها على هول العذاب، وكبر مكانه.

74.31

﴿ وما جعلنآ أصحب النار ﴾ أي: خزنتها ﴿ إلا ملئكة ﴾ أي: وهم أقوى الخلق بأسا، وأشدهم غضبا لله، ليباينوا جنس المعذبين، فلا يستروحون لهم. ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ أي: من مشركي قريش. أي: إلا عدة من شأنها أن يفتتن بها الكافرون، فيجعلوها موضع البحث والهزء.

قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء.

وقال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه. قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به.

﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتب ﴾ أي: رسالة النبي صلوات الله عليه لإنبائه من وعيد الجاحدين المفسدين ما لديهم مصداقه. واللام متعلقة ب ﴿ جعلنا ﴾ الثانية.

فإن قيل: كيف يصح جعلهم في نفس الأمر على هذا العدد، معللا باستيقان أهل الكتاب، وازدياد المؤمنين، واستبعاد أهل الشك والنفاق، وليس إيجادهم تسعة عشر سببا لشيء من ذلك، وإنما السبب لما ذكر، هو الإخبار عن عددهم بأنه تسعة عشر؟

والجواب: أن الجعل يطلق على معنيين:

أحدهما: جعل الشيء متصفا بصفة في نفس الأمر.

وثانيها: الإخبار باتصافه بها، ويقال له: الجعل بالقول. أي: وما جعلنا عدتهم بالإخبار عنها إلا عددا يقتضي فتنتهم، لاستيقان أهل الكتاب... إلخ. أي: وقلنا ذلك وأخبرنا به لاستيقان... إلخ. وعبر عن الإخبار بالجعل، لمشاكلة قوله: ﴿ وما جعلنآ أصحب النار... ﴾ إلخ - هذا ما قرره شراح القاضي.

﴿ ويزداد الذين ءامنوا إيمنا ﴾ أي: تصديقا إلى تصديقهم بالله ورسوله. ﴿ ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا ﴾ أي: حتى يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر.

قال الزمخشري: فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟

قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة، والكافرون بمكة، ماذا أراد الله بهذا مثلا. وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون، كسائر الإخبارات بالغيوب. وذلك لا يخالف كون السورة مكية. ويجوز أن يراد بالمرض الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم قاطعين بالكذب. انتهى.

وقال الرازي: إن قيل: لم سموه مثلا؟

فالجواب: أنه لما كان هذا عددا عجيبا، ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره، بل جعله مثلا لشيء آخر، وتنبيها على مقصود آخر، لا جرم سموه مثلا.

﴿ كذلك يضل الله من يشآء ﴾ أي: إضلاله لصرفه اختياره إلى جانب الضلال: عند مشاهدته آيات الله الناطقة بالحق.

﴿ ويهدي من يشآء ﴾ أي: هدايته لصرف اختياره عند مشاهدته لتلك الآيات إلى جانب الهدى ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ قال الزمخشري: أي: وما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص، من كون بعضها على عقد كامل، وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده، من الحكمة إلا هو. ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، كما لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والأرضين وأمثالها. أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه الزيادة على عدد الخزنة المذكور، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٣٦