تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66.4

﴿ إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي: إلى الحق. وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسوله. وقد صح عن ابن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن المتظاهرتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عائشة وحفصة.

وفي خطابهما، على الالتفات من الغيب إلى الخطاب مبالغة، فإن المبالغ في العتاب يصير المعاتب مطرودا بعيدا عن ساحة الحضور. ثم إذا اشتد غضبه توجه إليه وعاتبه بما يريد. ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ أي: تتظاهرا وتتفقا على ما يسوؤه، ﴿ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ أي: متظاهرون على من أراد مساءته، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ ولما كانت الملائكة أعظم المخلوقات وأكثرهم، ختم الظهراء بهم ليكون أفخم في التنويه بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته والانتصار له، إذ هي هنا بمثابة جيش جرار يملأ القفار، يتأثر أميره وقائده؛ ليحمل على عدوه ومناوئه.

66.5

﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿ مؤمنات ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله: ﴿ قانتات ﴾ أي: مطيعات لما يؤمرن به ﴿ تائبات ﴾ أي: من الذنوب لا يصررن عليها ﴿ عابدات ﴾ أي: متعبدات لله، كأن العبادة امتزجت بقلوبهن، حتى صارت ملكة لهن ﴿ سائحات ﴾ قيل: معناه صائمات - وسننبه على ما فيه - ﴿ ثيبات وأبكارا ﴾

اعلم أن في توصيف المبدلات بهذه الصفات، تعريضا بوجوب اتصاف الأزواج بها، لا سيما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

تنبيه

ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد من ﴿ سائحات ﴾ صائمات أو مهاجرات. وقد قدمنا في سورة التوبة في تفسير:

السائحون

[التوبة: 112] أن الحق فيه هو المعنى الحقيقي، لعدم ما يمنع منه، ولا يصار إلى المجاز إلا لمانع؛ ولذا قال بعض المحققين: إنه يستفاد من هذه الآية مشروعية السياحة للنساء، كما هي كذلك للرجال، فمعنى قوله تعالى: ﴿ سائحات ﴾ مسافرات، سواء كان السفر لهجرة أو اعتبار أو اطلاع على آثار الأمم البائدة. وقد خصصت السنة عموم سفرهن بكونه مع زوج أو محرم لهن؛ حفظا لهن.

ثم قال: كأن الذي دعا البعض لتفسير (السائحات) بالصائمات، أو بخصوص المهاجرات، تصوره أن السياحة في البلاد لا تناسب طبيعة النساء المأمورات بالحجاب، وكأنه يفهم من الحجاب أنه الحبس المؤبد، أو كأن الهواء نعمة مخصوصة بغير النساء، أو كأنهن لم يخلقن إلا لسجون البيوت التي ربما تكون أنكى من أعمق سجون الجناة، أو كأنهن لم يخلق لهن من هذه الدنيا الرحيبة سوى بيت واحد؟! وأما قوله تعالى:

خلق لكم ما في الأرض جميعا

[البقرة: 29] فكأنه مخصوص بالرجل، أو كأن الآيات الآمرة بالسير للنظر والعبرة والإحاطة والخبرة، نازلة من السماء ليس للأمة جميعا، بل للنصف منها، وهو الرجال. وحاشا أن يكون ذلك! أين هديه صلى الله عليه وسلم في سفره مع أزواجه؟ فقد كان يقرع بينهن، فأيتهن خرجت قرعتها خرج بها، وسافرت معه. وقد صار ذلك شريعة معمولا بها في الدين. وهكذا صح

" أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم بصفية أردفها خلفه وهو مع الركب ".

وبالجملة فالسياحة في القرآن الكريم ليست ترمي إلى غاية واحدة، بل إلى عدة غايات وفوائد:

أولا: إدراك المعقولات، والإحاطة بعظات المسموعات، كما نتعلمه من آية:

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

[الحج: 46].

ثانيا: الوقوف على أحوال الأمم البائدة، وما لهم من جليل الآثار الداعية للاعتبار، كما نتعلمه من قول الكتاب الحكيم:

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٧٩