تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66.2

﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ أي: شرع تحليلها - وهو حل ما عقدته - بالكفارة. والتحلة: مصدر بمعنى: التحليل. ﴿ والله مولاكم ﴾ أي: متولي أموركم ﴿ وهو العليم ﴾ أي: بمصالحكم ﴿ الحكيم ﴾ أي: في تدبيره إياكم بما شرعه وحكم به.

تنبيهات

الأول: قال ابن قدامة في (الروضة): دلت الآية على أن حكم خطابه صلى الله عليه وسلم لا يختص به؛ لأنه لما عاتبه في تحريم ما أحل له قال عقيبه: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ وابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ الجمع بقوله:

يأيها النبي إذا طلقتم النسآء

[الطلاق: 1]. والمسألة طويلة الذيل في الأصول.

الثاني: قال تقي الدين ابن تيمية: التحلة: مصدر حللت الشيء تحليلا وتحلة، كما يقال: كرمته تكريما وتكرمة، وهذا المصدر يسمى به المحلل نفسه، الذي هو الكفارة. فإن أريد المصدر، فالمعنى: فرض الله لكم تحليل اليمين، وهو حلها الذي هو خلاف العقد.

ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز، بهذه الآية على التكفير قبل الحنث؛ لأن التحلة لا تكون بعد الحنث، فإنه بالحنث ينحل اليمين، وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لينحل اليمين، وإنما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله. فإذا تبين أن ما اقتضت اليمين من وجوب الوفاء بها، رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار.

الثالث: شمل قوله تعالى: ﴿ أيمانكم ﴾ تحريم الحلال المذكور قبل، وهو الزوجة، لدخوله فيه دخولا أوليا، بل كل يمين.

قال تقي الدين ابن تيمية في فتاويه: قوله تعالى: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون، أن الله قد فرض لها تحلة. وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي صلى الله عليه وسلم، مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى: فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة، لكان مخالفا للآية. كيف وهذا عام لم تخص فيه صورة واحدة، لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عموما معنويا، مع عمومه اللفظي؟ فإن اليمين معقود يوجب منع المكلف من الفعل. فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة، وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق، أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب، فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس، أو ليقطعن رحمه، أو ليمنعن الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها، فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه، أن يبر ويصلح بين الناس، أكثر مما يجعل الله عرضة. ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه.

وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضا من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء به. وأيضا فإنه تعالى قال:

لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم

[التحريم: 1] وذلك يقتضي أنه ما من تحريم لما أحل الله، إلا والله غفور لفاعله رحيم به، وأنه لا علة تقتضي ثبوت التحريم؛ لأن قوله لأي شيء استفهام في معنى النفي والإنكار، والتقدير: لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك، والله غفور رحيم. فلو كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له، لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال، ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل.

ومما يوضح عمومه أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم حديث:

" من حلف فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك "

فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله. وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهما في مسألة نذر اللجاج والغضب. فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية، وجعلوا قوله: ﴿ تحلة أيمانكم ﴾ كفارة أيمانكم عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر. ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوها سواء.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٧٥