تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، زال ما في نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صلحت الحال بينهما، وأقلعت عما يدعوه إلى الطلاق، فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها. وإذا كان الشارع ملتفتا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج، وشرع الطلاق على هذا الوجه الذي هو أبعد شيء عن الندم، فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقا، بحيث لا يكون له سبيل إليها. وكيف يجتمع في حكمة الشارع، وحكمة هذا وهذا؟

فهذه الوجوه ونحوها مما بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع، هي بعينها تعين عدم الوقوع، وأنه إنما يقع المشروع وحده، وهي الواحدة.

65.2

﴿ فإذا بلغن ﴾ أي: المطلقات اللواتي في عدة ﴿ أجلهن ﴾ يعني: آخر العدة. أي: إذا قرب انقضاؤه وشارفنه ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ أي: فراجعوهن بما أمركم الله به من الحقوق التي أوجبها الله لهن من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة ﴿ أو فارقوهن بمعروف ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عددهن فيبن منكم بمعروف، وهو إيفاؤهن ما لهن من حق، كالصداق والمتعة على ما أوجب عليه لهن.

﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم ﴾ أي: أشهدوا عند الرجعة والفرقة من يرضى دينهما وأمانتهما.

قال ابن عباس: فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين وإن لم يراجعها، فإذا انقضت عدتها، فقد بانت منه بواحدة، وهي أملك بنفسها، ثم تتزوج من شاءت هو أو غيره.

وهذا الإشهاد على المراجعة والطلاق مندوب، ومنهم من ذهب إلى وجوبه عليهما، ومنهم من فرق بين المراجعة فأوجبه فيها، وبين الطلاق فاستحبه. وظاهر الأمر في الآية الوجوب فيهما، والترجيح يجب أن يكون بدليل مرجح. ومما يؤيد الوجوب أن الأوامر في الآية كلها قبل وبعد، للوجوب إجماعا، ولا دليل يصرف الأمر بالإشهاد عن ظاهره، فبقي كسابقه ولاحقه، وإن كان القران لا يفيد المشاركة في الحكم، إلا أنه عاضد ومؤيد وإذا لم يوجد صارف. ثم الأمر بالإشهاد عند الطلاق، يدل على أن الحلف بالطلاق، أو تعليق وقوعه بأمر كله مما لا يعد طلاقا في الشرع؛ لأن ما طلب فيه الإشهاد، لا بد أن ينوي فيه إيقاعه ويعزم عليه ويتهيأ له. وجدير بعصمة ينوي حلها، وكانت معقودة أوثق عقد أن يشهد عليه بعد أن يسبقها مراجعة من حكمين من قبل الزوجين، كما أشارت إليه آية الحكم. فليتدبر الطلاق المشروع، والطلاق المبتدع، وبالله التوفيق.

قال الزمخشري: قيل: فائدة الإشهاد: أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث.

﴿ وأقيموا الشهادة لله ﴾ أي: لوجهه خالصا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له، ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض، سوى إقامة الحق، ودفع الظلم، كقوله تعالى:

كونوا قومين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم

[النساء: 135] انتهى.

وتدل الآية على حظر أخذ الأجرة على أداء الشهادة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ فإن المشار إليه هو الحث على إقامة الشهادة لوجه الله، ولأجل القيام بالقسط، ويحتمل عوده على جميع ما في الآية.

﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٦٥