تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه رادها. ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، وإن الله عز وجل قال:

ومن يتق الله يجعل له مخرجا

[الطلاق: 2]، فما أجد لك مخرجا. عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله عز وجل قال: ﴿ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن ﴾. وهذا حديث صحيح. ففهم ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرم، وهذا فهم من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه في الدين، ويعلمه التأمل، وهو من أحسن الفهوم كما تقرر.

الوجه الثاني: من الاستدلال بالآية قوله تعالى: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ﴾ وهذا إنما هو في الطلاق الرجعي، فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة، لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي لا يطعن في صحتها الصريحة التي لا شبهة في دلالتها، فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى، وما لم تسبقه طلقتان قبله؛ ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له، ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. وأبو حنيفة قال: يملك ذلك؛ لأن الرجعة حقه، وقد أسقطها. والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة، وإن كان حقا له، فلها عليه حقوق الزوجية فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة، أو باستيفاء العدد، كما دل عليه القرآن.

الوجه الثالث: أنه قال: ﴿ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة، فقد تعدى حدود الله، فيكون ظالما.

الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: ﴿ لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ﴾ وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن، وهم الصحابة، أن الأمر ههنا هو الرجعة. قالوا: وأي أمر يحدث بعد الثلاث؟

الوجه الخامس: قوله تعالى:

فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف

[الطلاق: 2] فهذا حكم كل طلاق شرعه، إلا أن يسبق بطلقتين قبله. وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: ﴿ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن ﴾ كما تقدم - وهذا حق، فإذا الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاق في طهر أو أطهار، قبل رجعة أو عقد - كما تقدم - لأنه يكون مطلقا في غير قبل العدة - فلأن تدل على تحريم الجمع، أولى وأحرى.

قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة، لئلا يتسارع العبد في وقوعه ومفارقة حبيبه، وقد وقت للعدة أجلا لاستدراك ألفاظه بالرجعة، فلم يبح له أن يطلق المرأة في حال حيضها؛ لأنه وقت نفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها، ولا عقيب جماعها؛ لأنه قد قضى غرضه منها، وربما فترت رغبته فيها، ويزهد في إمساكها لقضاء وطره، فإذا طلقها في هاتين الحالتين ربما يندم بعد هذا، مع ما في الطلاق من تطويل العدة، وعقيب الجماع من بعلها؛ لأنه ربما قد اشتمل رحمها على ولد منه، فلا يريد فراقها. فأما إذا حاضت، ثم طهرت، فنفسه تتوق إليها، لطول عهده بجماعه، فلا يقدم على طلاقها في هذه الحالة إلا لحاجة إليه. فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا في هذه الحال، أو في حال استبانة حملها؛ لأن إقدامه أيضا على طلاقها في هذه الحال دليل على حاجته إلى الطلاق؛ وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيه، بل أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها.

وفي ذلك عدة حكم:

منها: أن الطهر المتصل بالحيضة، هو وهي حكم القرء الواحد، فإذا طلقها في ذلك الطهر، فكأنه طلقها في الحيضة، لاتصاله بها وكونه معها كالشيء الواحد.

الثانية: أنه لو أذن له في طلاقها في ذلك الطهر، فيصير كأنه راجع لأجل الطلاق، وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرعها للإمساك ولمنفعة النكاح، وعود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق، فيكون كأنه راجع ليطلق. وإنما شرعت الرجعة ليمسك. وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل، فإن الله سبحانه وتعالى شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلل تزوج ليطلق، فهو مضاد لله تعالى في شرعه ودينه.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٦٤