57.17
﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ أي: فهو محييكم بعد مماتكم ومحاسبكم، فلا منتدح لكم عن الجزاء. أي: فاحذروا مغبة القسوة والفسق. ﴿ قد بينا لكم الآيات ﴾ أي: الحجج وضروب الأمثال ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ أي: لتثوبوا إلى عقولكم ومراشدكم.
57.18-19
﴿ إن المصدقين والمصدقات ﴾ أي: المتصدقين والمتصدقات في سبيل الله ﴿ وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم * والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ أي: لتصديقهم بجميع أخبار الله وأحكامه، وشهادتهم بحقية جميع ذلك. وقد جوز في الشهداء وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفا على ما قبله، أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء، وهو الظاهر؛ لأن الأصل الوصل لا التفكيك.
والثاني: أن يكون مبتدأ، خبره ﴿ لهم أجرهم ﴾. و ﴿ الشهدآء ﴾ حينئذ إما الأنبياء الذين يشهدون على قومهم بالتبليغ أو الذين يشهدون للأنبياء على قومهم، أو الذين قتلوا في سبيل الله، واختار الوجه الثاني ابن جرير، قال: لأن الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم (شهيد) لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدقه، فيكون ذلك وجها، وإن كان فيه بعض البعد؛ لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصل فتأويل قوله: ﴿ والشهدآء عند ربهم ﴾ إذن، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله، عند ربهم، لهم ثواب الله في الآخرة ونورهم. انتهى.
ثم رأيت لابن القيم في (طريق الهجرتين) بسطا لهذين الوجهين في بحث الصديقية. ننقله لنفاسته. قال رحمه الله في مراتب المكلفين في الآخرة وطبقاتهم:
الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علما وعملا، ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم. وهذه أفضل مراتب الخلق، بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية، ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء، فقال تعالى:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
[النساء: 69] فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة. وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته. فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه. وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وقال تعالى: ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ [الحديد: 19] قيل: إن الموقف على قوله: ﴿ هم الصديقون ﴾ ثم يبتدئ ﴿ والشهدآء عند ربهم ﴾ فيكون الكلام جملتين، أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل، والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه. وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء؛ ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، هنا، وفي سورة النساء، وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء في كلام النبي في قوله:
" اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد "
؛ ولهذا كان نعت الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر الصديق. ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتا له رضي الله عنه.
وقيل: إن الكلام جملة واحدة، أخبر عن المؤمنين أنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم. وعلى هذا، فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة، وهي قوله:
لتكونوا شهدآء على الناس
[البقرة: 143] وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا، وشهداء على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفا لجملة (المؤمنين الصديقين).
وقيل: الشهداء: هم الذين قتلوا في سبيل الله. وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين، ويكون قوله: ﴿ والشهدآء ﴾ مبتدأ خبره ما بعده؛ لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدا في سبيل الله. ويرجحه أيضا أنه لو كان (الشهداء) داخلا في جملة الخبر، لكان قوله: ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ داخلا أيضا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: