57.11
﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ﴾ قال أبو السعود: ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين. أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيله تعالى رجاء أن يعوضه، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات له. فالقرض مجاز عن حسن إنفاقه مخلصا في أفضل جهات الإنفاق. وذلك إما بالتجوز في الفعل، فيكون استعارة تبعية تصريحية، أو في مجموع الجملة، فيكون استعارة تمثيلية. وقد زعم بعضهم أنها مقصورة على النفقة في القتال، وآخرون على نفقة العيال. قال ابن كثير: والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة، ودخل في عموم هذه الآية.
وهو جلي، وقد أسلفنا بيانه مرارا.
وقوله تعالى: ﴿ فيضاعفه له ﴾ أي: يعطيه ثوابه أضعافا مضاعفة، ﴿ وله أجر كريم ﴾ أي: جزاء شريف جميل. والجملة حالية، أو معطوفة مشيرة إلى أن الأجر كما زاد كمه، زاد كيفه.
57.12
﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ أي: لكونهم على الصراط المستقيم، متوجهين إليه تعالى. و (النور) إما حقيقي حسي, على ما روي عن ابن مسعود: أن نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، فدون ذلك. قيل: وإنما خصصت تلك الجهات؛ لأن منها أخذت صحف الأعمال، فجعل الله معها نورا يعرف به أنهم من أصحاب اليمين، وإما مجازي معنوي مراد به ما يكون سببا للنجاة، واختاره ابن جرير، وأيده بقوله: لو عني بذلك النور، الضوء المعروف، لم يخص عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان، دون الشمائل؛ لأن ضياء المؤمنين الذين يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي تخصيص الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم، دون الشمائل، ما يدل على أنه معني به غير الضياء وإن كانوا لا يخلون من الضياء. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وكلا وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم تطاير. ويعني بقوله ﴿ يسعى ﴾ يمضي والباء في قوله: ﴿ وبأيمانهم ﴾ بمعنى (في) وكان بعض نحويي البصرة يقول: الباء في قوله: ﴿ وبأيمانهم ﴾ بمعنى (على أيمانهم) وقوله: ﴿ يوم ترى ﴾ من صلة (وعد). انتهى.
﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ أي: يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: بشراكم أي: المبشر به جنات أو بشراكم دخول جنات. وقد قيل: إن البشارة تكون بالأعيان فلا حاجة لتقدير مضاف تصحيحا للحمل.
﴿ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ﴾.