تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: إذا قلنا: العبرة بعموم اللفظ، فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر، ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه، ظاهرا في غيره.

فإن قلت: يلزم التأكيد؟

قلت: والأمر كذلك، ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة، لأن ذاك في التأكيد الذي هو تابع. أما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة، فلا يمتنع. انتهى.

وقال العز بن عبد السلام في آخر كتابه (الإشارة إلى الإيجاز): وأما قوله: ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهن ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم، وبالثانية ما تقدمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية، وبالرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة، وهكذا إلى آخر السورة.

فإن قيل: كيف يكون قوله: ﴿ سنفرغ لكم أيه الثقلان ﴾ نعمة، وقوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ نعمة، وكذلك قوله: ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ وقوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ﴾ وقوله: ﴿ يطوفون بينها وبين حميم آن ﴾.

قلنا: هذه كلها نعم جسام؛ لأن الله هدد العباد بها استصلاحا لهم، ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان إلى حيز الطاعة والإيمان، والانقياد والإذعان، فإن من حذر من طريق الردى، وبين ما فيها من الأذى، وحث على طريق السلامة، الموصلة إلى المثوبة والكرامة، كان منعما غاية الإنعام، ومحسنا غاية الإحسان. ومثل ذلك قوله:

هذا ما وعد الرحمن

[يس: 52]، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة الربط، بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام. وأما قوله: ﴿ كل من عليها فان ﴾ [الرحمن: 26]، فإنه تذكير بالموت والفناء، للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء.

انتهى.

وقال البغوي: كررت هذه الآية في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة، وتأكيدا للتذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه، وفصل بين كل نعمتين بما نبههم عليه، ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقول الرجل لمن أحسن إليه، وتابع إليه بالأيادي، وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك، أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب. انتهى.

وقال السيد مرتضى في (الدرر والغرر): التكرار في سورة الرحمن، إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها، وبخ على التكذيب، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرير، لاختلاف ما يقرر به، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، كقول مهلهل يرثي كليبا:

على أن ليس عدلا من كليب

إذا ما ضيم جيران المجير

على أن ليس عدلا من كليب

إذا رجف العضاه من الدبور

على أن ليس عدلا من كليب

إذا خرجت مخبأة الخدور

على أن ليس عدلا من كليب

إذا ما أعلنت نجوى الأمور

على أن ليس عدلا من كليب

إذا خيف المخوف من الثغور

على أن ليس عدلا من كليب

غداة تلاتل الأمر الكبير

على أن ليس عدلا من كليب

إذا ما خار جار المستجير

ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط، هو من لطائف العرب، فاعرفه.

وقال شيخ الإسلام في (متشابه القرآن): ذكرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها؛ لأن من جملة الآلاء، رفع البلاء، وتأخير العقاب. وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، أخذا من قوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من الله، ووقاه السبعة السابقة. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٦٧